الخميس 25 يوليو 2024 م - 19 محرم 1446 هـ
أخبار عاجلة

في العمق : رفع درجة السلامة الوقائية للمواطن ضرورة

في العمق : رفع درجة السلامة الوقائية للمواطن ضرورة
الثلاثاء - 09 يوليو 2024 04:44 م

د.رجب بن علي العويسي

20

في ظلِّ ما يشهده فصل الصَّيف من معطيات متعدِّدة، كارتفاع قياسي في درجات الحرارة، ونشاط حركة السياحة والسَّفر والتنقل داخل سلطنة عُمان وخارجها، وارتفاع المُشْكلات المروريَّة، سواء في زيادة الحوادث أو المخاطر الناتجة عن الحرائق، والحاجة إلى الإسعاف والبحث والإنقاذ مع ارتفاع موج البحر في محافظة ظفار الَّتي تشهد خلال هذه الفترة من الصَّيف أجواء خريفيَّة ممطرة، ونشاط البيئات السياحيَّة كالنُّزل السياحيَّة الخضراء والتراثيَّة، هذا الأمْرُ يأتي أيضًا في ظلِّ ارتفاع حوادث البِرك المائيَّة وتعرُّض الأطفال ـ لا سمح الله ـ لحالات الغرق، وارتفاع منسوب البحر الناتج عن خريف ظفار السياحي، والمساحة من الاهتمام الَّتي يمنحها المواطن لأدوات السَّلامة في سفره وتنقُّله، وممكنات السَّلامة الوقائيَّة فيما يتعلق باستخدام الأدوات الكهربائيَّة والتوصيلات المرتبطة بالكهرباء والأجهزة الإلكترونيَّة وشاحن الهاتف وغيرها كثير من الأدوات الَّتي باتت تتسبب في ارتفاع درجات الحرارة أو رداءة جودتها أو سوء تركيبها في اشتعالها وتأثيرها. وإنَّ من بَيْنِ الظواهر المقلقة الَّتي باتت تنشط في فصل الصَّيف هي الحرائق بكُلِّ أنواعها، والَّتي أشارت إحصائيَّات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات وهيئة الدِّفاع المَدَني والإسعاف إلى أنَّها الأكثر انتشارًا في فصل الصَّيف، وبشكلٍ خاصٍّ حرائق المنشآت السكنيَّة، حيث تُشير الإحصائيَّات إلى أنَّ إجمالي عدد حوادث الحرائق في عام 2022م بلغ (4200) حادث حريق مرتفعة بنَحْوِ (3%) مقارنة بالعام 2021، ليؤكِّدَ في الوقت نَفْسِه أهميَّة اتِّخاذ إجراءات واضحة وتبنِّي سياسات أكثر نضجًا ومهنيَّة واحتواء ترفع من درجة السَّلامة الوقائيَّة لمختلف شرائح المُجتمع، وامتلاك ثقافة أمنيَّة يستوعب فيها المُجتمع طبيعة الظروف والمتغيِّرات الطبيعيَّة وغيرها، كما يمتلك الحسَّ الأمني والحدس الَّذي يُجدِّد فيه مسار الوعي، ويضْمَن قدرته على مواجهة التحدِّيات والمواقف وحُسن التعامل معها، سواء كان على المستوى الشخصي أو كذلك على المستوى الأُسري والمُجتمعي؛ بحيث تؤسِّس الموجّهات التوعويَّة والتثقيفيَّة الَّتي تقدِّمها جهات الاختصاص بشأن الحدِّ من هذه المخاطر، محطَّة تحوُّل لبناء ثقافة الوقاية ورفع درجة الاستحقاق الأمني والمحافظة على إبعاد مصادر القلق لصَيفٍ آمِن وإجازة صيفيَّة مُمتعة تعيش خلالها الأُسرة ظلال الحُب والتصالح والسَّلام والأمان والاستقرار.

على أنَّ نواتج مؤشِّرات السَّلامة العامَّة تُبرز أهميَّة البحثِ في وجود إطار وطني لتعزيزِ مستوى الاهتمام والوعي الاجتماعي باشتراطات السَّلامة العامَّة والحماية المهنيَّة، بما يضْمَن التقليل من الخسائر في الأرواح والممتلكات الناتجة عن حالات الحرائق والغرق والإسعاف، وبالتَّالي ما يفرضه واقع هذه المؤشِّرات من سيناريوهات بديلة في استقراء الواقع ترتبط بسلوك الإنسان اليومي وممارساته الشخصيَّة، وتصحيح المفاهيم والمفردات المتراكمة حَوْلَ السَّلامة الشخصيَّة، بما يضْمَن تحوُّلًا نَوْعيًّا في نُموِّ وتطوُّر مفاهيم السَّلامة العامَّة لدَيْه ليستكشفَها في واقعه اليومي وتعامله مع التجهيزات الكهربائيَّة بالمنازل أو تعاطيه مع كُلِّ مسبِّبات الحرائق أو الغرق أو حالات الإسعاف، أو عَبْرَ المتابعة المستمرَّة لنشاطِ الأبناء ومراقبتهم أثناء ممارستهم لبعضِ الرياضات والهوايات كالسباحة مثلًا أو عند اقترابهم من أماكن الخطر والتعامل مع اللوائح والتعليمات في المناطق المائيَّة وغيرها، بما يؤكِّد أنَّ برامج التَّوعية والتثقيف، والمراجعات الدَّوْريَّة لأنظمة الأمن والسَّلامة في المنازل، وعمليَّات التشخيص والمتابعة والتقييم الدَّوْريَّة، تستدعي بناء علاقة مع الإنسان مستخدم هذه الأدوات والتجهيزات والحوار معه والتأكد من حصوله على هذه الجرعات التثقيفيَّة والتوعويَّة والقناعة بها والإيمان بمسؤوليَّاته نَحْوَها.

وبالتَّالي فإنَّ تحقيق تحوُّل إيجابي مستدام في السلوك المُجتمعي تجاه تعدُّد اتِّساع هذه المخاطر، وما قد تؤدي إِلَيْه من فقدان الأرواح والمملكات ورفع درجة القلق والتراكمات السلبيَّة الَّتي ستنعكس سلبًا على قدرة المواطن على تحقيقِ صَيفٍ آمِن والحصول على إجازة صيفيَّة خاليَّة من المنغِّصات، يرتبط بوجود جهد وطني متكامل تقوده بالإضافة إلى هيئة الدفاع المدي والإسعاف، مؤسَّسات التعليم والتربيَّة والتدريب والإعلام ومراكز البحث العلمي والإرشاد المهني، ومنظومات الأمن والسَّلامة بالمؤسَّسات، بحيث يأخذ جملة من الأبعاد الَّتي تقوم على: استنطاق القِيَم والأخلاق والمبادئ الدينيَّة والمُجتمعيَّة في كُلِّ ما يؤدِّي إلى خفض درجة القلق من اتِّساع هذه المخاطر، وبناء قدرات المُجتمع عَبْرَ رفع درجة الجاهزيَّة الأمنيَّة لدَيْه وتمكينه من التعامل مع اتِّساع حوادث الصَّيف بمختلف أنواعها، وترسيخ مبدأ السَّلامة الوقائيَّة، وتعظيم التَّوعية والبرامج الوقائيَّة الَّتي تقدِّم دلائل ومؤشِّرات حَوْلَ مدَى تأثير هذه الحوادث والمخاطر المترتبة عَلَيْها وكيفيَّة الوقايَّة مِنْها والسلوك الأُسري والوالدي والمُجتمعي في منعِ تعرُّض الأبناء لهذه الحوادث، ناهيك عن وضعِ المواطن في نماذج محاكاة عمليَّة للواقع تُبرز امتلاكه للمبادئ والقِيَم والمعايير والغايات والمفردات الَّتي تصنع في حياته روح التغيير.

ومع اتِّساع مفاهيم السَّلامة الوقائيَّة وتعاظُم دَوْر الحسِّ الأمني في بناء مُجتمع ناضج يؤمن بمعايير السَّلامة الشخصيَّة والبدنيَّة، يصبح فصل الصَّيف محطَّة مُهمَّة لقياس الجهد الوطني المقدَّم في مُجتمع السَّلامة، بما يتطلبه ذلك من وجود نشاط وحراك عمل تفاعلي من خلال تكثيف البرامج التوعويَّة الوقائيَّة والعلاجيَّة، وتعزيز بناء سلوك اجتماعي نافذ للسَّلامة الوقائيَّة، وأن يواكبَ بناء السَّلامة الوقائيَّة في سلوك الفرد وقناعاته، جهد مؤسَّسي مستدام ومبتكر، بحيث ينشط جهود المؤسَّسات المعنيَّة بطرح مبادرات الصَّيف الجادَّة الَّتي تتعلق بالأمن والسَّلامة العامَّة، أو سلامة المنازل وإبعادها عن السرقات أو ببناء قدرات المواطن فيما يتعلق بتعلُّم مهارات السباحة والتعامل مع مصادر الخطر وإدارة الأزمات والتكيُّف مع الظروف، في المجالات الصحيَّة والنَّفْسيَّة والسياحة والتعامل مع الأدوات الكهربائيَّة والحرائق وارتفاع درجات حرارة السيَّارة أو التوقُّعات بوجود حريق أو حمايَّة الأطفال من الغرق وإبعادهم عن مصادر الخطر أو تقليل حجم الردود السلبيَّة الناتجة عن وقوع هذه الحوادث الصَّيفيَّة على حياة الأُسرة، وعندها تصبح لدى الفرد ثقافة أمنيَّة واسعة يستطيع من خلالها أن يقرأَ الظروف ويستوعبَ المواقف ويتعاملَ مع الأزمات، ويتجنبَ الوقوع في مواقف صعبة، وبالتَّالي أن يشهدَ هذا الأمْرُ نشاطًا استثنائيًّا من الجهات المختصَّة التعليميَّة في تثقيف الطلبة وتوعيتهم بقواعد الأمن والسَّلامة، والتعامل مع المواقف والظروف أو المخاطر الَّتي قد تصادفهم في حياتهم اليوميَّة، ويؤسِّس إلى المزيد من الإجراءات الاحترازيَّة والتدابير الوقائيَّة الَّتي يتحلَّى بها الفرد في الصَّيف.

من هنا تأتي الحاجة إلى رفع درجة الأمن والسَّلامة والأمان الشخصي لدى الفرد بشأن أحداث الصَّيف والتوقُّعات الناتجة عن هذا التزاحم على البيئات والوجهات السياحيَّة والميزات التنافسيَّة فيها؛ فإنَّ بناء السَّلامة الوقائيَّة ورفع درجة الجاهزيَّة لها في حياة المواطن لا يرتبط بالصَّيف دُونَ غيره وإن كانت طبيعة الصَّيف تستدعي ذلك بشكلٍ أوسع وأكبر، ما يؤكِّد في الوقت نَفْسه على أهميَّة وضع المواطن ومختلف شرائح المُجتمع من الصغار والكبار والرِّجال والنِّساء في مواقف محاكاة واقعيَّة، وتجسيد عملي لمسار السَّلامة الوقائيَّة الَّتي يتجنب فيها أيّ انحرافات قد تُودي بالفرد إلى ما لا يحمد عقباه، ومعنى ذلك أنَّ بناء ثقافة مستدامة للسَّلامة الوقائيَّة باتتِ اليوم ضرورةَ حتميَّة وأولويَّة وطنيَّة، يجِبُ أن تحظى بمزيدٍ من التأطير والمتابعة، والضبطيَّة والتشريعات وثبات الإجراءات؛ فإنَّها محطَّة في إعادة إنتاج ثقافة المواطن وتعظيم قدرتها وخلقِ فرص نجاح لها تنعكس على تصرُّفاته في المواطن في الأزمات والمواقف.

أخيرًا فإنَّ من بَيْنِ الأمور الَّتي يُمكِن أن تقدِّمَ إطارًا للعمل الوطني الوقائي هو عمليَّات الرَّصد الإحصائي المستمرَّة حَوْلَ حوادث الصَّيف وأسبابها ومسبِّباتها، والمساحة الَّتي يُمكِن أن تقدِّمَها للمواطن في معالجة حالة الإخفاق المرتبطة بهذا الجانب والناتجة عن عدم وصول هذه الأرقام من حوادث الصَّيف للمواطن لتجنُّبها واتِّخاذ موقف إيجابي تفاعلي، وأن تستثمرَ المحافظات جهودها الإصلاحيَّة في إعادة هندسة السلوك الاجتماعي ورفع درجة الأمان لدَيْه في مواجهة مشتِّتات الأمان والسَّلامة العامَّة بالشكل الَّذي يضْمَن تحقيق نتائج مُلهِمة تنعكس على مستوى الاستجابة الأمنيَّة المتحقِّقة لدَى المواطن في تحقيق صَيفٍ آمِن، والاستمتاع في بيئة آمِنة خالية من الحوادث والمنغِّصات.

د.رجب بن علي العويسي