يُعَدُّ الوقف الخيري صمام أمان للمُجتمعات، فهو مخزون يساند النَّاس وأفراد المُجتمع في وقت الشدَّة، حيث يحبس المقتدرون أصول بعض أموالهم لينتفعَ بها أفراد المُجتمع، كأن يوقفَ شخص مزرعة له، ويتولَّى رعايتها ويجعل ثمرها للمحتاجين أو لأهالي المنطقة، أو يوقف شخص أحَد مصادر المياه كالآبار أو الينابيع لينتفعَ النَّاس والمارَّة من مائها، أو يوقف شخص مبنًى سكنيًّا ليسكنَه المحتاجين من أهْلِ منطقته أو يؤجرَ ويستفيدَ من ريع إيجاره المحتاجون، أو يوقف شخص مبنًى ليكُونَ مسجدًا يصلِّي فيه النَّاس. ويقصد بوقف المال أو حبسه هو أن يخرجَ المال من ذمَّة الواقف وملكيَّته إلى ملكيَّة الله، فبالتَّالي لا يكُونُ هناك مالك لهذا المال، فلا يورث ولا تنقل ملكيَّته للآخرين، ويُعيَّن شخص لإدارة وتشغيل هذا المال، وهو ما يسمى بمتولِّي الوقف أو مدير الوقف، ومهِمَّته تشغيل المال بحيث ينتفع مِنْه النَّاس، ويحدِّد الواقف المستفيدين من الوقف الخيري الَّذي أوقفه، فإمَّا أن يكُونُوا سكَّان منطقة ما كأن يوقفَ المبنى ليستفيدَ مِنْه سكَّان المنطقة الَّتي يعيش فيها أو لشريحةٍ معيَّنة من المُجتمع كأن ينتفعَ مِنْها الفقراء، أو المرضى، أو الأرامل، أو اليتامى، أو يوقف محطَّة وقود يستفيد مِنْها الصيادون وغيرها. كُلُّ هذه الاشتراطات يوثِّقها الواقف في عقدٍ خاصٍّ وهو عقد الوقف (أو الوقفيَّة) وهو من عقود الهبات. حيث يتضمن هذا العقد وصفًا للمال الموقوف، كتحديدِ عنوانه، وحدوده، ومواصفاته، وتحديد مَن يتولَّى رعايته على مرِّ الأزمان كأن يقرِّرَ أن يتولَّى الواقف رعاية الوقف بنَفْسِه، ومن بعده ابنه الأكبر، ومن بعده حفيده الأكبر، وهكذا. وللمتولِّي نصيب من ريع الوقف فيحدِّد الواقف المبلغ الَّذي يحصل عَلَيْه متولِّي الوقف نظير جهوده في تشغيل الوقف وإدارته، كما يحدِّد مَن يستفيد من هذا الوقف كأن يحدِّدَ أبناء منطقته أو الفقراء أو المرضَى، وهذا التوثيق الَّذي يكُونُ في العقد يحفظ المال الموقوف من الضياع.
وقد عرف عن الأُمَّة الإسلاميَّة على مرِّ العصور بحرصها على الوقف الخيري، فيكثر فيها الواقفون، وتكثر الأموال الموقوفة، حتَّى تجدَ في بعض العصور الإسلاميَّة السابقة أنَّ جميع الخدمات الَّتي تقدَّم للمواطنين هي من أوقاف المواطنين أنْفُسهم كوقفِ المستشفيات والمدارس، ودُور الرعاية، وغيرها. وقد تميَّز العهد المملوكي بكثرة الوقف حتَّى يرى الباحث والراصد للحراك الاجتماعي في هذا العصر كأنَّ النَّاس توقف كُلَّ ما تملك، أو بمعنى آخر جميع الأموال محبوسة للخير. وأهمُّ دافع للنَّاس لأن يوقفوا أموالهم هو الرغبة في الأجر والثواب، وتقديم الخدمات الاجتماعيَّة والإنسانيَّة لأهالي منطقتهم. تلك الدوافع العاطفيَّة هي الَّتي تشجِّع الواقفين على الوقف الخيري.
وقد ظهر اتِّجاه جديد في العصور الحديثة بأن لا يقتصرَ خدمات الوقف على سكَّان منطقة معيَّنة، بل يكُونُ عالَميًّا، ويقصد بذلك أن يتشاركَ مجموعة من الواقفين في وقف أموالهم، سواء كان هؤلاء الواقفون أفرادًا أو مؤسَّسات أو شركات أو دوَلًا، ليؤسِّسوا وقفًا عالَميًّا فلا يستفيد مِنْه سكَّان منطقة معيَّنة أو أفراد عائلة معيَّنة، بل ينتفع به كُلُّ مَن يحتاج من أيِّ مكانٍ على وَجْه البسيطة كأن يوقفَ مبنى فيستثمر عن طريق الإيجار وينتفع من ريع استثماره في إغاثة النَّاس المتعرِّضين للكوارث في أيِّ مكان كان، ونقصد بالكوارث الطبيعيَّة كالقحط والزلازل، والبراكين، والكوارث الَّتي تكُونُ من صنْعِ البَشَر وهي الحروب، حث تتدمَّر المباني والمزارع، والمصانع، وتهدم البيوت وتزهق الأرواح لتخلفَ اليتامى والأرامل والمعوّقين. وعادةً في مِثل هذه الحالات تهبُّ مؤسَّسات الإغاثة لنجدةِ النَّاس ومساعدتهم، ودعمهم لإعادة بناء ما تهدم بفعل هذه الكوارث. والواقع أنَّ منظَّمات الإغاثة لا يقتصر دعمها وإغاثتها للنَّاس على منطقة معيَّنة بل هي تقدِّم المساعدة لجميع المنكوبِينَ. وتضمُّ هذه المنظَّمات موظفين، ومتطوِّعين ليقدِّموا الخدمات المختلفة للنَّاس، وتعتمد هذه المنظَّمات في تمويلها على التبرعات.
وقد التقيت بأحَدِ المسؤولين في أحَد المنظَّمات، حيث كنَّا نتناقش عن الصعوبات الماليَّة الَّتي تواجِه منظَّمات الإغاثة، حيث كان يؤكِّد على أنَّ المتبرِّعين يُقدِّمون التبرُّعات لمساعدةِ المحتاجين، ويصعب أن يجدوا متبرِّعين يوفروا مبالغ لدفع رواتب الموظفين العاملين في تلك المنظَّمات. من هنا تأتي أهمِّية عالَميَّة الوقف الخيري، فيستفاد من ريع الوقف الخيري لدعمِ جميع المحتاجين لإغاثتهم من آثار الكوارث من خلال تمويل منظَّمات الإغاثة وتشغيلها لتكُونَ قادرة على العطاء ومساعدة النَّاس في مِثل هذه الظروف الصَّعبة، خصوصًا أنَّه من الصعب أن يجدوا متطوِّعين يقبلون الدخول للمناطق المنكوبة لمساعدةِ النَّاس في مِثل هذه الظروف الصعبة حيث تكثر المخاطر الَّتي تُهدِّد حياة الناشطين في منظَّمات الإغاثة، من هنا تكمن أهمِّية وجود وقف خيري لا يستفيد مِنْه أهالي منطقة معيَّنة، بل يستفيد مِنْه جميع النَّاس المحتاجين في جميع المناطق... ودُمْتُم أبناء قومي سالمين.
نجوى عبداللطيف جناحي
كاتبة وباحثة اجتماعية بحرينية
متخصصة في التطوع والوقف الخيري
Najwa.janahi@