تُعَدُّ جمهورية الصين الشَّعبيَّة من الدوَل (غير المانحة) لوكالةِ أونروا، ولم يحدُثْ سوى مراتٍ قليلة الَّتي قَدَّمَت فيها الصين الشَّعبيَّة إسهامات ماليَّة متواضعة للميزانيَّة العامَّة للوكالةِ، وكان آخرها المنحة الماليَّة الجديدة الَّتي تمَّ تسليمها مؤخرًا للوكالةِ، والبالغة نَحْوَ ثلاثة ملايين دولار أميركي. فقد أعلنَ الرئيس الصيني (شي جين بينج) خلال افتتاح منتدى التعاون العربي الصيني يوم الخميس 30 أيار/مايو 2024 أنَّ «بكين ستتبرع لوكالةِ أونروا لتقديمِ مساعدات إنسانيَّة عاجلة إلى قِطاع غزَّة». والَّذي أضاف في كلمته قائلًا: «لا يجوز استمرار الحرب في غزَّة، ولا يجوز غياب العدالة للأبد».
المسألة هنا، ليست قِيمة المبلغ أو تواضُعه من عدمِه، بل المسألة سياسيَّة بالدَّرجة الأولى، ففي الوقت الَّذي تَشنُّ فيه «إسرائيل» هجومها على الوكالةِ، ومعها الولايات المُتَّحدة الأميركيَّة من أجْلِ تفكيك الوكالة، تمهيدًا لإنهاء مهام عملها ولإحالتها على التقاعد، يأتي الموقف الصيني ليُجدِّدَ قناعة المُجتمع الدولي بأَسْره، الَّذي يرَى أنَّ الوكالة وخدماتها مسألة ضروريَّة ومهِمَّة جدًّا لخدمةِ مُجتمع لاجئي فلسطين وتقديم العون لهم بجوانبه التعليميَّة والصحيَّة والاجتماعيَّة، وأنَّ دَوْرها لا ينتهي إطلاقًا، إلَّا وفق قرار تأسيسها الرقم (302) للعامِ 1949، والَّذي ربطَ بَيْنَ إنهاء عمل الوكالة وتطبيق القرار الدولي الرقم (194) الصَّادر عن الجمعيَّة العامَّة للأُمم المُتَّحدة بتاريخ 11/12/1948، والخاصِّ بحقِّ اللاجئين الفلسطينيِّين بالعودة إلى أرضِ وطنهم التاريخي، وهم يُشكِّلون نَحْوَ (65%) من التعداد العامِّ للشَّعب العربي الفلسطيني على أرض فلسطين التاريخيَّة، ودوَل الطَّوق (الشَّتات) وهي سوريا ولبنان والأردن. إنَّ خطوة جمهوريَّة الصين الشَّعبيَّة، تجاه وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيِّين (أونروا)، تأتي أيضًا في ظلِّ المساعي «الإسرائيليَّة» لتسويدِ صفحةِ الوكالة، وتقديم ادِّعاءات بأنَّ العاملين بها ينتمون لحركاتِ المقاومة الفلسطينيَّة، وقد سقطَ من العاملين بها نَحْوُ (175) شهيدًا بنيران وقصف الاحتلال لمراكزِ وعمومِ مؤسَّسات الوكالة وبناها الأساسيَّة ومستودعات المُؤَن التَّابعة لها، والَّتي تُعَدُّ تابعة للأُمم المُتَّحدة، وكان هذا العدد من الشهداء هو الأكبر بتاريخ الأُمم المُتَّحدة ووكالاتها التَّابعة لها في مواقع ساخنة في أزماتٍ عالَميَّة مَضَت. إنَّ السلوك «الإسرائيلي» الصهيوني بالسَّعي لتكفيرِ و»تسويد» وكالة أونروا، بدا من خلال ما يجري طرحه على الكنيست بالقراءة الأولى والثانية، لتصنيفِ الوكالة كتجمُّع إرهابي، وتبعه إغلاق مراكزها بالقدس الشرقيَّة والمَسِّ بالعاملين بها. إنَّها حرب ضروس تخوضها «إسرائيل» ضدَّ وكالة (أونروا) والهدف الأساسي إنهاؤها وإنهاء حقِّ العودة؛ لأنَّ الوكالة هي الشَّاهد التاريخي الحيَّ والنَّابض على نكبة فلسطين وتهجير الشَّعب الفلسطيني في نكبتِه الكبرى الأولى عام 1948، وطرده بعمليَّة ترانسفير وتطهير عِرقي وإبادة، كما حاولت وتحاول الآن دَولة الاحتلال في العدوان الهمجي على قِطاع غزَّة. في الجانب الأبعد، نقول إنَّ إسهام الصين الشَّعبيَّة في ميزانيَّة الوكالة على تواضُعِه، يتخطَّى أهمِّية البُعد المالي إلى البُعد السياسي، ويأتي أيضًا في ظلِّ التنافس الصيني ـ الأميركي في الميدان الدولي، والصراع المُتَّقد بَيْنَهما تحت الجمر. فالخطوة الصينيَّة تجاه وكالة أونروا تزعج واشنطن، وتُسهم بالمزيد من الالتفاف الدولي ليس فقط حَوْلَ القضيَّة الفلسطينيَّة. وخلاصة القول، إنَّ وكالة أونروا عنوان سياسي وخدمي، يتعلق بحقِّ العودة للفلسطينيِّين؛ وبالتَّالي يجِبُ دعمها وتنشيط الدَّوْر العربي ودَوْر جامعة الدول العربيَّة؛ لحثِّ الدوَل المانحة على تقديمِ المزيد من الدَّعم لميزانيَّتها العامَّة، والسَّخاء في مساعدتها عينيًّا.
علي بدوان
كاتب فلسطيني
عضو اتحاد الكتاب العرب
دمشق ـ اليرموك