هل تَعْلَم أخي القارئ العزيز أنَّ الأشياء الَّتي تراها لا لَوْن لها.. ما يحدُث هو انعكاس الضوء الَّذي يقوم العقل بترجمته إلى ألوان؟
أيضًا أتعْلَم أخي القارئ العزيز أنَّ الألوان وهْم.. وهي ليست حقيقيَّة.. والأحمر الَّذي تراه ليس أحمر كما تتصوَّر؟!
الإخوة القرَّاء الأعزاء مدوَّنتنا اليوم تتكلم عن الألوان.. وأنَّ هذه الألوان مِثل الأزرق والأحمر والأخضر..إلخ هي مجرَّد وهْمٍ في الإنسان ليس لها وجود، وأنَّ الأشياء الَّتي نراها أساسًا هي لا لَوْنَ لها.. طبعًا يبدو كلامي غريبًا ولن تصدقوني، لكن هذا ليس كلامي.. رحم الله اِمْرَأً عرف قدرَ نَفْسِه.. وإنَّما هذا كلام العلماء والخبراء والمختصِّين في هذا المجال في العالَم. أنا مجرَّد مجتهد وناقل للمعلومات ومُدوِّن وأوضح لكم هذا الشيء.. ولعِلْمِكم أخذَ منِّي هذا الموضوع وقتًا طويلًا؛ لكَيْ أُلَمْلِمَ هذه الفكرة وأدوِّنَها بشكلٍ مختصر ومبسَّط لكَيْ يستمتعَ القارئ ويستفيدَ، ويضيفَ معلومةً جديدة لم يتطرقْ لها في حياته.
القرَّاء الكرام، نحن ننظر إلى الأشياء الَّتي حَوْلَنا ونميِّز ألوانها المختلفة. لكن ما هي هذه الألوان؟ وهل هي موجودة حقًّا في الطبيعة؟ أم أنَّها في دماغنا البَشري فقط ومتبرمجة من الصغر، وأنَّ دماغنا يخدعنا ونعتقد نحن أنَّ الألوان لها وجود فعلي في الطبيعة؟ لماذا نجد أنَّ اللَّون الأحمر أحمر والأخضر أخضر؟ وهل تستطيع بقيَّة الكائنات أنَّ ترى الألوان كما نراها نحن؟ هذه هي الأسئلة الَّتي سأجيب عليها ضِمْن هذه المدوَّنة.
قَبل الدخول في موضوع الألوان أودُّ أن أتحدَّثَ قليلًا عن الضوء وحاسَّة البصر.. حاسَّة البصر هي حاسَّة استشعار الضوء، ومن دُونِ ضوء لا يوجد شيء لنبصرَه. فنحن عندما نرى جسمًا ما نحن عمليًّا نرى انعكاس الفوتونات الضوئيَّة على سطح هذا الجسم وليس الجسم بحدِّ ذاته.
إذًا حاسَّة البصر هي عبارة عن تحليل عصبي لظاهرة فيزيائيَّة على شكلِ صورةٍ ذهنيَّة. أمَّا الضوء الَّذي نستطيع رؤيته هو عبارة عن طيف كهرومغناطيسي، وأمواج طوليَّة وهو يتضمن الأشعَّة السينيَّة الَّتي في المستشفيات لرؤية العظام المكسورة.. وأيضًا الموجات الميكرويَّة الَّتي تستخدم بها الميكرويف في المنزل للتسخين.. وأيضًا الموجات الراديويَّة الَّتي تساعدنا في التحدُّث عَبْرَ الهواتف المحمولة.. وأيضًا الأشعَّة فوق البنفسجيَّة.
إذًا الضوء أو القوَّة الكهرومغناطيسيَّة تأتي ضِمْن طَيْفٍ واسع جدًّا، وعلى فرض أنَّ طول الموجة يبدأ من قِيمة (١) نانومتر فإنَّها تنتهي عند قِيمة مليار نانومتر، في حين أنَّ عَيْنَ الإنسان قادرة على رصد قِيمة بَيْنَ (٤٠٠) إلى (٧٠٠) نانومتر فقط من أصل المليار الواحد؛ أي أقل من واحد على مليون من مُجمل الطَّيف الضوئي أو الكهرومغناطيسي.
هذه نبذة بسيطة عن الاختلاف بَيْنَ حاسَّة البصر والضوء.. حتَّى نستوعبَ شيئًا من المعرفة، وندخل في موضوعنا وهو: لماذا اللَّون عبارة عن وهْمٍ وليس له وجود؟
الألوان أخي القارئ العزيز، عِلْم من العلوم المليئة بالمفاجآت، وأنَّ رؤية الألوان عمليَّة تحدُث فقط في عقلك.. فهي أساسًا لا وجود لها في الطبيعة. فرغم رؤيتها من عَيْنَيْك فإنَّ عقلك هو الَّذي يساعدك على تمييزها.. وهو الَّذي يُتيح لك رؤية السَّماء باللَّون الأزرق، وعَلَم سلطنة عُمان باللَّون الأحمر والأخضر والأبيض.. والفراولة باللَّون الأحمر.. وذلك بسبب مستكشفات الألوان الموجودة في عَيْنَيْك أو بالأصح الخلايا المخروطيَّة.. ولكُلِّ نَوع من المخاريط نَوْع مُحدَّد يفضله من الضوء.
إذًا ما هي الألوان..؟
الألوان عبارة عن انعكاس هذه الأمواج الضوئيَّة على المواد الَّتي حَوْلَنا. مثلًا عندما ننظر إلى سيَّارة زرقاء فنحن ننظر إلى جسم مطليٍّ بمادَّة تمتصُّ كُلَّ الموجات الضوئيَّة عدا موجات ذات طول (٤٧٥) نانومترًا تقريبًا أو ما نترجمه في دماغنا على شكلِ اللَّون الأزرق.. أيضًا عند النظر إلى أوراق الأشجار فنحن ننظر إلى مواد عضويَّة لدَيْها إلكترونات تمتصُّ كُلَّ الفوتونات الضوئيَّة، وتعكس فقط الفوتونات ذات طول (٥١٠) نانومترات.. أو ما نُسمِّيه اللَّون الأخضر.. أيضًا إذا نظرت للفراولة ووجدتَها باللَّون الأحمر؛ بمعنى أنَّ اللَّون الأحمر يحمل أشعَّة ضوئيَّة لها طول موجي في حدود (٦٥٠) نانومترًا.. إذًا أنا وأنتَ نرى اللَّون أحمر عندما تمرُّ أشعَّة طولها (٦٥٠) نانومترًا خلال أعْيُننا. من هنا نجد أنَّ أيَّ لَوْنٍ له طول موجي مُعيَّن.
أخي القارئ العزيز، لو جئنا للأشعَّة أنتَ تعْلَم أنَّها عديمة الألوان.. وبدلًا من ذلك، تُعَدُّ الألوان هي الشّفرة الَّتي تكوِّنها عَيْناك عندما يرتطم بهما طَيْفٌ من الضوء.. ربَّما تبدو الفكرة القائلة إنَّ الألوان لا توجد إلَّا في رأسك غريبة نَوعًا ما. ولكن فكِّر بها قليلًا معتبرًا إيَّاها ألمًا.. فلو جئنا للصَّخرة بذاتها لا تحتوي على ألَمٍ، ولكنَّها تُحدث ألمًا عندما ترتطم بأصابع قَدمِك.. وعلى هذا المنوال لا يحتوي الضوء على ألوان أيضًا. ولكن يستطيع صنع الألوان عندما يرتطم بعَيْنَيْك. بعد ما توصَّلنا إليه ههنا، يُمكِن أن نستنجَ شيئًا قد يبدو خطيرًا..! لا وجود لِمَا يُسمَّى بالألوان! الألوان هي مجرَّد وهْمٍ تخلقه أمخاخنا لتفرِّقَ بَيْنَ طولٍ موجيٍّ والآخر للأشعَّة الضوئيَّة! وفي الحقيقة يوجد نطاق واسع من الأشعَّة الَّتي تمرُّ بأعْيُننا بشكلٍ يوميٍّ، ولكنَّنا لا نراها لأنَّ أمخاخنا لا تترجمها وعصبنا البصري لا يستشعرها وهذه تُسمَّى الأشعَّة فوق البنفسجيَّة أو تحت الحمراء. وفي الختام باختصار... بعد انعكاس الضوء نَحْوَ أعْيُننا بعد أن يسقطَ على الأشياء نستطيع الرؤية. فالضوء يتصرَّف كالوسيط الَّذي ينقل المعلومات من المحيط الَّذي توجد فيه الأشياء نَحْوَ أعْيُننا.. فترسل العَيْن بِدَوْرها هذه المعلومات مباشرةً إلى دماغنا على شكلِ إشارات.. الضوء إذن ينعكس على الأشياء ويحمل صوَرها إلينا، وفي غياب الضوء تنعدم الرؤية؛ لأنَّ الوسيط الَّذي ينقل إلينا الأشياء غير موجود.أخي القارئ العزيز، يَجِبُ أن تعْلَمَ أنَّ العالَم الَّذي تراه وتدركُه وتظنُّ أنَّه الحقيقة المُطْلَقة الَّتي لا تخطئها حواسُّنا وعقولنا ليست في الحقيقة إلا وهْمًا. فنحن لا نرى الطبيعة كما هي في الحقيقة، بل نرى فقط الصورة الَّتي يصوِّرها لنا الدماغ عنها. فنحن كمَنْ ينظر إلى ظلِّ الشجرة ويظنُّ ذلك هو شكلها الحقيقي ولكنَّ الحقيقة ليست كذلك.. المادَّة والطبيعة أشياء حقيقيَّة ولها وجود فعلي مستقلٌّ عنَّا.. ولكنَّ الصورة الَّتي نراها بها وطريقة إدراكنا لها ليست حقيقيَّة.
أعزَّائي القرَّاء، حقيقة هذا الموضوع شيِّق جدًّا ومُمكن التعمُّق فيه أكثر، لكن سأكتفي بهذا الحدِّ ضِمْن هذه المدوَّنة.
محمد الكندي
كاتب عماني