الأحد 05 أبريل 2026 م - 17 شوال 1447 هـ
أخبار عاجلة

متى تنفجر فقاعة الذكاء الاصطناعي؟

الأربعاء - 22 مايو 2024 05:46 م

د.أحمد مصطفى أحمد

10


ما زالت فورة الذَّكاء الاصطناعي تغذِّي الارتفاع المُطَّرد في مؤشِّرات الأسهم بالبورصات الكبرى في العالَم، خصوصًا وول ستريت، مع إقبال المستثمرين على شراء أسْهُم شركات التكنولوجيا وغيرها. لكن حسب الحكمة التقليدية لا يُمكِن أن يستمرَّ الارتفاع دائمًا، والسُّوق دَوْرات من ارتفاع وهبوط. إنَّما هذه الدَّورة طال أمدُها على عكس النموذج التقليدي للارتفاع والانخفاض في الأسواق. يعني ذلك أنَّ هناك فقاعة تتكوَّنُ من المبالغة في قِيمة الأصول الورقيَّة (من أسْهُم وسندات وأصول رقميَّة وغيرها) وربَّما الأصول الحقيقيَّة أيضًا من عقار وممتلكات وغيرها. هناك نهايتان في الأغلب لأيِّ فقاعة، إمَّا أن تتبخرَ عَبْرَ تراجع بطيء ومستمرٍّ لفترةٍ أو تنفجر مُسبِّبة أزمة. حدَث ذلك أكثر من مرَّة مع فقاعة «دوت كوم» نهاية القرن الماضي وبداية هذا القرن نتيجة الغليان النَّاجم عن بداية انتشار الإنترنت وشركاتها. وحدَث قَبلها بسنوات قليلة مع فقاعة العملات الآسيويَّة وبعدها قَبل نهاية العَقد الأول من هذا القرن مع فقاعة قروض الرَّهن العقاري الَّتي أدَّت إلى أزمة ماليَّة عالَميَّة.

سبَقَ وأشرنا في هذه الزاوية إلى أنَّ الذَّكاء الاصطناعي هو تطوُّر تكنولوجي لمبتكراتٍ سابقة مع التقدُّم المستمرِّ في برمجة الحاسوب (الكمبيوتر) وليس مستحدثًا من عدم بالشَّكل المُبهر والمبالغ فيه الَّذي يصوِّره الإعلام والترويج التسويقي. هو عبارة عن برامج حاسوب (كمبيوتر) متطوِّرة تقوم بإعادة تدوير ما تراكم على الإنترنت من معلومات وبيانات بطريقة أكثر تعقيدًا لتقدِّمَ نتائج توفِّر على البَشَر جهد المتابعة والتحليل. وذلك تطوُّر طبيعي من قِبل شركات البرمجة وكتابة تطبيقات الحاسوب (الكمبيوتر) والهواتف الذكيَّة، مع الزيادة الهائلة في المعلومات والبيانات المخزنة على شبكة الاتصالات الدوليَّة (الإنترنت) وخوادم التخزين المرتبطة بها. وكأيِّ منتج تكنولوجي حديث، يسارع الأفراد لاستهلاكِه؛ باعتباره يسهِّل أكثر ما يقومون به على الهاتف والحاسوب (الكمبيوتر) من كتابة محتوى (حتَّى لو كان تافهًا وبلا قِيمة) أو تركيب صوَر وموسيقى وأفلام وغيرها. أمَّا الاستخدام الآخر والأهمُّ فهو في الشركات والأعمال، حيث يستخدم الذَّكاء الاصطناعي بديلًا عن المساعدين من البَشَر في وضع الجداول وتنظيم العمل أو لتحليلِ البيانات الكبيرة والخروج باستنتاجات تساعد في زيادة كفاءة التشغيل. وذلك هو المحرِّك الأهمُّ لِنُموِّ ما يُمكِن تسميته «سُوق الذَّكاء الاصطناعي».

قَبل أيَّام أصدرت مؤسَّسة موديز للتصنيف الائتماني تقريرًا بحثيًّا، لا يُمثِّل تصنيفًا ولكنَّه غالبًا ما يعتمد عليه في توقُّعات التصنيف المستقبلي، حذَّرت فيه من أنَّ الذَّكاء الاصطناعي ليس بالضرورة عاملًا إيجابيًّا في تقييم وضع الشركات، وإنَّما قد يكُونُ له تأثير سلبي على تصنيفها. يشرح التقرير ذلك بضرب أمثلة على احتمالات الخلَل في برامج الذَّكاء الاصطناعي الَّتي قد تضرُّ بسمعةِ منتج الشركة، سواء كان سلعيًّا أو خدميًّا، كما حدَث مع في الصوَر المزوَّرة لبرنامج «جيميني» من شركة ألفابيت التكنولوجيَّة العملاقة الَّتي تملك محرِّك البحثِ جوجل. فإذا كانت الشركات، خصوصًا شركات التكنولوجيا، توظِّف الذَّكاء الاصطناعي لتقليلِ كلفة أعمالها وبالتَّالي زيادة هامش الرِّبح فإنَّ أخطاء البرامج قد تكلِّفها أكثر لإصلاحها واستعادة الثِّقة في منتجاتها. والأهم، أنَّ هدف زيادة تنافسيَّة الشركة باستخدام برامج الذَّكاء الاصطناعي قد يأتي بنتائج عكسيَّة في تلك الحالة، ثمَّ يؤثِّر سلبًا على تصنيفها الائتماني. لا يعني التقرير أنَّ استخدام الذَّكاء الاصطناعي من قِبل الشركات والأعمال ضارٌّ، وإنَّما يحذِّر من المخاطر ويُشير إلى أنَّ تطبيق تلك التكنولوجيا يحتاج إلى موارد وضوابط وفريق تقني قويٍّ في الشركة. لا يتوقع أن تؤديَ مِثل هذه التقارير إلى توقُّف الشركات والأعمال عن التوسُّع في تطبيق تكنولوجيا الذَّكاء الاصطناعي في أعمالها، خصوصًا وأنَّ الشركات المتنافسة لا ترغب في أن تسبقَها منافساتها في استخدام التكنولوجيا الجديدة. ومع التوسُّع تظهر العيوب، والذَّكاء الاصطناعي مِثله مِثل كُلِّ برامج الحاسوب (الكمبيوتر) يُمكِن أن يحدُثَ فيه عطلٌ. لكنَّ ذلك مع الشركات الكبرى تكُونُ أضراره هائلة، سواء فيما يتعلق بتوَجُّهات استراتيجيَّة في التشغيل والإنتاج يخطئ البرنامج في تحليل المعلومات، وبالتَّالي يقدِّم نتائج مغلوطة أو في اضطراب في المنتج نَفْسه يشوّهه.

كُلُّ ذلك، على أهمِّيته، ربَّما لا يكُونُ سببًا في انفجار فقاعة الذَّكاء الاصطناعي الَّتي نشهدها الآن أو حتَّى تراجعها ببطء. إنَّما العامل الأهمُّ في تصوُّري هو شركات التكنولوجيا الَّتي تنتج برامج الذَّكاء الاصطناعي ذاتها مِثل شركة «أوبن إيه آي» وغيرها. فتلك الشركات، مِثلها مِثل بقيَّة شركات التكنولوجيا النَّاشئة، تعتمد في تكوينها على أموال طائلة من المستثمرين تنفقها بغزارة في البداية، ما يُسمَّى في السُّوق «حرق أموال». ولأنَّ المستثمرين في تلك الشركات ينتظرون عوائد عالية على استثماراتهم ستُحاول شركات إنتاج برامج الذكاء الاصطناعي زيادة ربحيَّتها لتعويضِ المستثمرين فيها. وكما حدَث مع كثير من شركات التكنولوجيا الناشئة في السنوات الأخيرة لا يصبح ذلك ممكنًا بسهولة، ما أدَّى إلى إفلاس شركات أو انهيار قِيمة أسْهُمها في السُّوق؛ وبالتَّالي هبوط قِيمتها وخسارة المستثمرين. وكُلَّما كانت هناك مغالاة في تقييم تلك الشركات وارتفاع مبالغ فيه في سعر أسْهُمها كان الهبوط قويًّا. وذلك هو ما سيُحدِّد هل تنفجر فقاعة الذَّكاء الاصطناعي في أزمة صغيرة لشركاتِ التكنولوجيا أم تتراجع قِيمة ذلك السُّوق ببطء؟

د.أحمد مصطفى أحمد

كاتب صحفي مصري