كتاب «البَشَر موجز تاريخ الفشل وكيف أفسدنا كلَّ شيء»، لتوم فيليبس، يرصد ويوثِّق أخطاء البَشَر وانتهاكاتهم وما صنعوه من مآسٍ بحقِّ أنْفُسهم وبيئتهم والأرض التي يعيشون عليها عَبْرَ التاريخ الطويل منذُ أن وجدوا وحتى اليوم، بإفسادهم لكُلِّ شيء، وكيف يتحول ما فيه خير الإنسان إلى شقاء الإنسان بفعل الإنسان، مع تضمينه صوَرًا ومشاهد حقيقية وثّقت وقدّمت التاريخ الإنساني على حقيقته، للبرهنة والتدليل والتأكيد على القناعات واليقينيات التي توصل إليها الكاتب. ترجم الكتاب إلى أكثر من «26» لُغة حَوْلَ العالم، واحتوى على فهرس توثيقي ممتع لـ»معالم مدهشة لن نراها بعد الآن لأنَّ البَشَر أتلفوها»، و»كائنات وضعناها في أماكن غير مناسبة لها»، فتسبَّبت في كوارث عديدة، و»قادة لم يكُنْ يجدر بهم أن يجلسوا على كرسي الحكم» فأفسدوا حياة شعوبهم ودمَّروا الكثير من الإنجازات، و»سياسات حكومية لاقت الفشل الذريع»، مصحوبة بنماذج، منها على سبيل المثال، «الضريبة المتساوية» التي قادت إلى «أعمال شغب على نطاق واسع ممَّا أجبر تاتشر على الاستقالة وإنهاء سنوات حكمها». و»أكثر الحروب عبثية في التاريخ»، في نموذج صارخ على غباء الإنسان وأخطائه القاتلة... لماذا يرتكب البَشَر الأخطاء بنسب عالية تجر عليهم الكوارث؟ لماذا يفشلون فيفسدون جَماليات الحياة وإنجازات العقل والعِلم وتوازن الطبيعة؟ لماذا يكررون الأخطاء ويصرُّون عليها ولا يعترفون بها؟ لماذا تتناسل الحروب والصراعات التي تجرُّ الويلات والدَّمار على العالم؟ لماذا يحوِّلون السهل إلى عُسر، والبساطة إلى تعقيد، والممكن إلى مستحيل؟ يحدُث ذلك وفقًا للنتائج التي توصَّلت إليها دراسات وأبحاث الكاتب؛ لأنَّ «أذهاننا تكره اكتشاف خطئها، وتكره أكوام الأدلَّة التي تثبت خطأنا، وهذا ما يفسِّر ميلنا للرغبة في الحصول على المعلومات من الجهات التي توافق هوانا»، لهذا السبب فنحن «لا نعير اهتمامنا إلا للمعلومات التي تناسبنا ونتجاهل الأخرى»، أي تلك التي تناسب خططنا وسياساتنا وتوجُّهاتنا ومنافعنا، حتى وإن كانت خاطئة، وإن أثبت التاريخ مرارًا فشلها، «ثم يزداد الأمر سوءًا؛ لأنَّ عقولنا تقاوم أدلَّة خطئها كُلَّما كان الخطأ أكبر. قد يظنُّ المرء أنَّ الناس يتراجعون عن قراراتهم ما أن تلوحَ دلائل الإخفاق في الأفق، وقد تبدو لهم تلك الدلائل في مراحل مبكِّرة، لكنَّهم لا يفعلون ذلك». ويضيف الكاتب معلومات أخرى تُشير إلى أنَّ «مصارحة الناس بأنَّهم اتخذوا قرارات خاطئة في بعض الحالات يقودهم للتمسُّك برأيهم أكثر، حتى لو برهنت لهم خطأهم بكُلِّ هدوء»، إذن هذه الخصيصة البَشَرية هي ما يفسِّر بهجة الإنسان وسعادته، بكلمات الإشادة والتحفيز، بل حتى وإن كانت بأسلوب التملُّق والتزلف، التي تُلقى على مسامعه، على مشاريعه وقراراته وإن كانت فاشلة، وكرهه وبغضه لمن يقدِّم له النُّصح وينتقده على أعماله وسياساته الخاطئة، وهو ما يفسِّر كذلك تكرار الأخطاء القاتلة التي تتخذها الأنظمة السياسية والحكام في كُلِّ مكان وزمان واستمرار الحروب والصراعات والكوارث المدمِّرة التي يقودها ويتسبب فيها الإنسان، وهو ما يثير استغرابنا وتساؤلاتنا على الدوام، فالمُجتمعات إذن وباستمرار «تغرق في وحْلِ أفكارها». يضيف الكاتب إلى هذه الخصيصة سِمات أخرى، من بينها «التماهي»، أو التقليد، «فإذا سألنا طفلًا في الرابعة من عمره ماذا ستفعل إذا ما رمى جميع الأطفال في صفك بأنْفُسهم في الماء؟ فإنَّه سيجيب على الأرجح «سأفعل مثلهم». السِّمة الأخرى، بسبب الجهل الأعمى، فإنَّ «المبالغة في تقدير قدراتنا، والثقة العمياء بأنْفُسنا»، تضعنا في موقف المتفائل المتحمس حينما نكُونُ على وشك ارتكاب أشنع الأخطاء وأسوأ الاختيارات». يحتوي الكتاب على عشرات الأمثلة والنماذج التاريخية التي تُعزِّز وجهة نظر «توم فيليبس»، على فشل الإنسان وإفساده للحياة، وتصرفاته العبثية، وما تسبَّب فيه من كوارث وآلام وفوضى، واحدة من هذه النماذج مرتبطة بشخصية المواطن البريطاني «توماس أوستن»، الذي يعيش في المستعمرة الأسترالية، في «سني مراهقته». ففي عام 1859، «طلب من ابن أخيه، شحن عدد كبير من الأرانب البَرِّية، وطيور الحجل والعديد من الحيوانات البَرِّية» لتحقيقِ حلمه بـ»ممارسة حياة ريفية تقليدية، في منطقة هائمة على أطراف العالم، ومحاولة تقليد ومحاكاة بريطانيا القديمة»، ولكن وبسبب تكاثر الأرنب السريع، فقد «انتشر جيش منها في المدينة، واجتاح ما يزيد على (80) ميلًا مربعًا من الأراضي كُلَّ عام، وتناولت كُلَّ ما شاهدته أمامها، ووقفت السُّلطات عاجزة أمام ذلك الاجتياح، ولم تتمكَّنْ من ردعِ الأرانب عن تناول جميع المزروعات ممَّا أدَّى لانقراض بعضها تمامًا، فيما تسبَّب نضوب الأعشاب والمزروعات إلى تضوُّر وجوع كائنات أخرى وانقراضها، واختفت طبقة التُّربة السطحية بسبب النَّحت والتعرية، بعد التهام الأرانب لكُلِّ النباتات التي كانت جذورها تتمسك بالتربة وتحفظها من التطاير مع الرياح». هذا وعدَّت مُشْكلة الأرانب في أستراليا «من أشْهَر الأمثلة على حقيقة أنَّ النُّظم الإيكولوجية هي أمور معقَّدة، وأنَّ عواقب العبَث بها تقع على مسؤوليتنا وحْدَنا». في مثال آخر، جدير بالإشارة، قرَّرت حكومة «المستعمرة البريطانية، التي كانت تحكم شرق إفريقيا، التخلُّص من سمكة وحش نهر النِّيل وإرساله ليعيشَ في بحيرة فكتوريا أكبر بحيرة في إفريقيا، وأحضروا الوحش في عام 1954 إلى البحيرة. فقام بأكلِ كُلِّ ما وقَعَتْ عليه عيناه.. وقضى على كُلِّ الأجناس الموجودة في تلك المياه، جنسًا تلو الآخر. فانقرض أكثر من (500) نَوْع من الأسماك الرخيصة التي كانت مصدر الغذاء الوحيد للفقراء الذين يعيشون حَوْلَ البحيرة». المثال الثالث مهَّد له الكاتب في العبارة الموجزة التالية لتصويرِ حجم الخطأ وانعكاساته، «إذا أردنا الحديث عن غباء البَشَر وعدم مقدرتهم على فَهْمِ أنَّ الطبيعة ليست مجالًا مناسبًا للتلاعبِ بالأشياء على هوانا، وأنَّها نُظم معقَّدة، تعتمد على توازن دقيق للغاية لتستمرَّ على شكلها الحالي، وأيّ تدخل سيعود علينا بالضَّرر...»، ففي عهد «ماو تسي»، كانت «البلاد في حالة صحية حرجة»، بسبب انتشار أمراض الكوليرا والطاعون والملاريا... وتسبَّب الجوع كذلك بقتل الملايين، فاعتقدَ «ماو وعلماؤه أنَّ عصافير الدوري، تلتهم الحبوب، إذ يُمكِن لعصفورٍ واحد، أن يأكلَ ما يصل إلى (5>4) كجم من الحبوب خلال عام واحد، والحبوب يُمكِن استخدامها بدلًا من ذلك لإطعام شَعب الصين»، فبحسب ما رأى العلماء، يُمكِن إطعام «60000 شخص إضافي مقابل مليون عصفور يتمُّ القضاء عليها»، انتهت حملة ملاحقة وقتل عصافير الدوري وتدمير أعشاشها وتحطيم بيضها... بالقضاء على «مليار»، منها، وسرعان ما «اتضحت نتائج الحملة السلبية، فتلك المليارات من العصافير لم تكن تتناول الحبوب فقط، بل كانت تأكل الحشرات أيضًا، والجراد على وَجْه الخصوص، وهكذا تحرَّر الجراد فاجتاح الفيافي والسهول، والمزارع الصينية وحامت أسرابه كالغمام فوق المحاصيل بلا نهاية، وكان قتل العصافير وطمس المحاصيل الأصلية واستبدالها بأخرى، والقضاء على المحاصيل بسبب الجراد أسبابًا دفعت جميعها بالمأساة إلى أوجها، فقد تُوُفِّيَ ما يقدَّر عدده بخمسة عشر مليارًا إلى ثلاثين مليار إنسان...». هكذا تكُونُ النتيجة في كُلِّ مرَّة يتدخل فيها الإنسان في شؤون الطبيعة. وذلك بسبب «فشلنا في إدراك أنَّ النُّظم الإيكولوجية هي أمْرٌ معقَّد لا يُمكِن التنبُّؤ به أو تسييره حسب رغباتنا». «يتبع»
سعود بن علي الحارثي