من أبرز الإشكاليَّات الَّتي يعاني مِنْها المُجتمع اقتصاديًّا قضيَّة الإدارة الماليَّة على مستوى الأفراد، يتضح ذلك بالاطلاع على أعداد المستفيدين من الخدمات الَّتي تقدِّمها الفِرق الخيريَّة كمثال وحيد دُونَ البحث عن أدلَّة أخرى من خلال كشوف المتعثرين في سداد قروضهم على سبيل المثال وغيرها من الإحصائيَّات الَّتي تثبت ـ بلا شك ـ وجود هذه الإشكاليَّات. وتظهر هذه الإشكاليَّة في مختلف أوْجُه الإنفاق، سواء تعلَّق الأمْرُ بالجانب اليومي المتمثل في متطلبات الحياة اليوميَّة أو تلك المرتبطة ببناء منزل أو شراء سيَّارة، وعِندما أقول إنَّ البعض وصل لهذه المرحلة وأسميناها مُشْكلة هي في الواقع من خلال أدلَّة تثبت أنَّه كان بالإمكان تجنُّب أيِّ تعثُّر مالي نظرًا لوجود أصول ماليَّة تساعد في تجنُّبه الوقوع في هذه الكارثة، لكنَّه صرفها في جوانب أخرى ليس ذات فائدة في الأساس. يتضح ذلك في مقارنة الدخل لدى فرد في دَولة أخرى لا تقدِّم خدمات كتلك الَّتي تقدِّمها الدَّولة عِندنا، وتفرض ضرائب أكثر منَّا، ورغم ذلك تجد ذلك الفرد مستمتعًا بحياته وقادرًا على تلبية احتياجاته ويمتلك كُلَّ متطلبات الحياة وبأريحيَّة تامَّة بعيدًا عن الضغوطات الماليَّة المرهِقة، وكلمة السِّر هنا هي فقط الإدارة الماليَّة. أبرز مثال على ضعف الإدارة الماليَّة لدَيْنا هو عمليَّة بناء المنزل، فلا يتمُّ مراعاة الحاجة الفعليَّة لأصحاب المنزل ومقدار حاجتهم للغرف المنزليَّة المُحدَّدة، الأمْرُ بِرُمَّته يعتمد على المظاهر وما هو حجم المنازل القريبة منِّي فقط، والنتيجة بدل بناء منزل يكلِّف خمسين ألف يتمُّ بناء منزل يكلِّف ١٠٠ ألف، دُونَ فائدة، والأدْهى والأمَرُّ هو أنَّ هذا المبلغ تمَّ اقتراضه من البنك، بمعنى أنَّه سيتطلب مِنْك إرجاعه بمستوى الضعفَيْنِ. نحن هنا لا نتحدث عن عدم الاهتمام ببناء منازل كبيرة وراقية إذا كانت ظروفك الماليَّة تساعد على ذلك، وتستطيع استثمار مبالغ أخرى في مشاريع تعود عَلَيْك بالنفع، لكن أن تضعَ كُلَّ الأموال حتَّى ولَمْ تقترض في بناء منزل فخم فذلك انتحار مالي بامتياز. ذكرتُ مثالًا واحدًا فقط للدلالة على ضعف إدارتنا الماليَّة والَّتي تترتب عَلَيْها تبعات مختلفة تصل إلى عدم القدرة على توفير المتطلبات الضروريَّة اليوميَّة للحياة، والسؤال هنا: ما الحل؟ أعتقد ـ من وجهة نظري ـ أنَّ هذه المُشْكلة تتطلب تكاتف جهود الجميع، بدءًا من إعداد برامج توعية مكثَّفة ونوعيَّة في نَفْس الوقت، تشمل مختلف الفئات والمجالات واستغلال المحاضرات وخطب الجمعة لتعميقِ هذا الفكر مع ضرب أمثلة واقعيَّة أثبتَتْ نجاحها. كما أنَّ وجود برنامج تدريبي للموظفين الَّذين يتمُّ تعيينهم، سواء في القِطاع الخاصِّ أو العامِّ مطلب مُهمٌّ وضروري، يتمُّ من خلاله تبصير هذه الفئة بأهمِّية وقواعد الإدارة الماليَّة الصحيحة لأموالهم، وإعطاء أمثلة وعرض تجارب لأشخاص نجحوا في هذا المجال، فهي الطريقة الأكثر نجاعة في هذا الأمْرِ، كما لا ننسى دَوْر المناهج الدراسيَّة في هذا الجانب من حيث تعميق فَهْم الطلبة لهذا الجانب وتزويدهم بأُسُس بناء الإدارة الماليَّة الصحيحة والقواعد الَّتي يجِبُ اتِّباعها لذلك، وما الدوَل الَّتي أشرتُ إلى قدرة أفرادها على إدارة أموالهم إلَّا نتيجة طبيعيَّة لخضوعهم لمناهج دراسيَّة على مدار سنواتهم في المدرسة والجامعة. إنَّ المكرمة السَّامية الخاصَّة بمنفعة الطفولة في اعتقادي الشَّخصي هي خير وسيلة أيضًا لعمليَّة تعليم الأبناء كيفيَّة الادخار والاستثمار بهذه المبالغ، من أجْلِ تكوين أُسُس وثقافة ماليَّة منذ الصغر. وبلا شك سينعكس أثَرها مستقبلًا على الجميع، ولكن وفق أُسُس علميَّة وليست عشوائيَّة وارتجاليَّة، ويُمكِن أن تتكاملَ المناهج الدراسيَّة ومجالات التوعية الَّتي ذكرتها في هذا المجال من أجْلِ تنمية قدرات الناشئة في اقتراح مشاريع تجاريَّة يتبنَّونها من أجْلِ استغلال هذه الأموال ماليًّا بطريقة جيِّدة بحيث تغرس لدَيْهم أفكارًا ومشاريع وأُسُسًا يستفاد مِنْها في المستقبل.
د. خصيب بن عبدالله القريني