أعلنت الإدارة الأميركيَّة أنَّ وزير الخارجيَّة أنتوني بلينكن سيكُونُ في المنطقة بعد أسبوعَيْنِ، للتباحث بشأن ترتيبات ما أصبح يُطلق عَلَيْه «ما بعد غزَّة»، في وقتٍ أدْلَى الكثير من السَّاسة الغربيِّين بمواقف تتعلق بمآلات الوضع ما بعد الحرب على القِطاع، وكان مِنْهم توني بلير رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، الَّذي رشَّحه البعض لِتولِّي إدارة القِطاع بقرارٍ دولي تسعى الولايات المُتَّحدة لاستصداره، وغيره من المشاريع الَّتي يتمُّ تداولها في غرف وكواليس الدبلوماسيَّة السِّريَّة، بغياب صاحب العلاقة والمعني الأوَّل وهو الشَّعب العربي الفلسطيني صاحب الأرض والوطن...! فكيف ستكُونُ مرحلة ما بعد غزَّة..؟ وهل الشَّعب الفلسطيني، شَعب قاصر، يحتاج لِمَن يُقرِّر عَنْه ما بعد غزَّة...؟إنَّ ما بعد غزَّة يعني فلسطينيًّا أنَّ أبناء وطنهم مَن يقررون الأمْرَ، وليسوا بحاجة لوصاية من أيِّ طرف. كما يعني فلسطينيًّا أنَّ غزَّة، وكامل قِطاعها، جزء لا يتجزأ من الأرض الفلسطينيَّة، وأنَّ مواطني القِطاع جزء أصيل من الشَّعب الفلسطيني. فما بعد غزَّة سيكُونُ فلسطينيًّا بالتمام والكمال. في هذا السِّياق، وقَبل أيَّامٍ قليلة من نهاية العام 2023 الفائت، بدأت ملامح الفترة التالية في الحرب على قِطاع غزَّة، تشي بالقادم، فقَدْ أوضحت تسريبات لمعلومات مُحدَّدة من مصادر «إسرائيليَّة» عن البدء بالمرحلة الثالثة من العدوان على القِطاع، في مناخٍ متوتِّر وضع المنطقة أمام احتمالاتٍ واسعةٍ، فالمنطقة أصبحت حُبلى بالتطوُّرات العسكريَّة والسِّياسيَّة في ظلِّ ما يعانيه الشَّعب الفلسطيني في قِطاع غزَّة وعموم فلسطين، واستمرار العدوان من جهة والمقاومة العنيدة له من جهة ثانية. إنَّ بداية المرحلة الثالثة من العدوان، تطلُّ اليوم وفق تكتيكات جديدة عنوانها : الخروج والنزول التدريجي عن شجرة الحرب العسكريَّة الواسعة، والتركيز على أهداف مُنتخبة في غزَّة، وحتَّى خارجها، بما فيها أعمال اغتيالات. وبالفعل بدأت «إسرائيل» خطواتها بسحب لواء جولاني وغيره من القطع العسكريَّة وآلة الدَّمار «الإسرائيليَّة» تدريجيًّا. وكُلُّ ذلك جاء بعد تهاوي وتحطُّم توقعات الحرب العدوانيَّة، وسقفها الَّذي رُسِمَ لها في لحظات العدوان الأولى، بفضل صمود شَعبنا، وجوعه، وتحمله ما تنوء به الجبال، في وجْه وحوش البرابرة في دَولة الاحتلال ومن ساندها في عدوانها غير المسبوق من حيث فاشيَّته ودمويَّته. وجاء استهداف الشهيد صالح العاروري، وعددٍ من إخوته من القساميِّين، الشهداء: سمير فندي، عزام الأقرع، أحمد حمّود، محمود شاهين، محمد الريّس، محمد بشاشة، في معادلة التكتيك إيَّاه... فاستشهد صالح العاروري، ومعه ثلَّة من إخوته ورفاق دربه. صالح العاروري، الرجل الصلب، ابن بلدة (عارورة) قضاء رام الله، شقيقة بلدة (عارورة في منطقة المثلث في فلسطين)، شهيدًا على طريق القدس وكُلِّ فلسطين، مُلتحقًا بالقافلة الطويلة من شهداء فلسطين، من عزِّ الدِّين القسَّام وعبد القادر الحسيني، إلى غسان كنفاني وأبو علي مصطفى وخليل الوزير وفتحي الشقاقي والشيخ أحمد ياسين، إلى الرئيس ياسر عرفات (شهيدًا...شهيدًا...شهيدًا). الشهيد صالح العاروري، وهو الصالح قولًا وعملًا، الفلسطيني البسيط، ابن البلد والوطن، طيب الطلَّة، ودمث المودَّة، والإخلاص والتماسُك الوطني. كان دومًا مستمعًا للجميع، منفتحًا على الرأي والملاحظات، بعيدًا عن العصبيَّات المقيتة. وبالنتيجة، هل بدأت مرحلة ما بعد غزَّة، وترتيباتها، والانتقال للمرحلة الثالثة من الحرب على الشَّعب الفلسطيني بالعودة لسياسة الاغتيالات، وتصفية القيادات، كما اعتادت دَولة الاحتلال منذ قيامها على أرض فلسطين...؟ سؤال إجاباته واضحة وقاطعة.