يحاول هذا المقال تسليط الضوء على موضوع غاية في الخطورة والأهمية، سيؤثر كثيرًا في مستقبل استقرار المجتمعات الإنسانية وعلاقتها بمؤسسات الدولة أو ما يطلق عليها بالحكومة. وقد أشار إلى هذا الاتجاه منشور أصدره مجلس الاستخبارات الوطنية الأميركي بعنوان: «الاتجاهات العالمية 2040: عالم أكثر تنافسية».
بتصوري الشخصي أن السنوات القادمة (2027-2029)، ونتيجة العديد من العوامل السياسية والاقتصادية العابرة للحدود الوطنية، ستكون الأكثر اضطرابًا وعدم استقرار، ولعل أخطرها ثقافيًّا وفكريًّا واجتماعيًّا تراجع منسوب الثقة بين الشعوب والحكومات لأسباب عديدة ومختلفة، بالإضافة إلى عدم الشعور بالأمان بشأن المستقبل، خصوصًا ما يتعلق منه بقضايا مثل العمل والاستقرار الأسري (الزواج). ومما يؤسف له أن الأحداث السياسية والأمنية العالمية الراهنة فاقمت بشكل كبير للغاية من عجز الحكومات حيال الإصلاحات السياسية والاقتصادية المطلوبة للتخفيف من آثار الأزمات والصراعات العابرة للحدود الوطنية.
من زاوية ثانية، بدأت الهويات الوطنية بفقدان دورها في التخفيف من آثار الأزمات السياسية على الشعوب في ظل الأزمات الاقتصادية، وقد كانت وما زالت الأنظمة السياسية ـ خصوصًا في المجتمعات الشرقية ـ تعوّل عليها كثيرًا في الاستقرار وثبات الأنظمة، حيث يلاحظ أن تلك الهويات بدأت تميل أكثر إلى ما يطلق عليه الولاء المادي والهويات الفئوية كبديل للدولة، وطلبًا للدعم والمساندة المادية خصوصًا. يضاف إلى ما سبق أنه يمكن أن ينتج عن تلك التحديات انفتاح على أصوات الخارج والدعوة إلى العنف والتحريض على التغيير الاجتماعي والسياسي بالقوة.
على ضوء ما سبق، وإن كان من توصية في هذا السياق، فهي أهمية العمل على تلك المسائل التي تعزز دور الهوية الوطنية، ولا أقصد هنا العمل النظري فقط، أي الدعوات الإعلامية والدعائية أو حتى التعليمية عبر زرع ثقافة الولاء والانتماء الوطني، بل هذه المسألة أبعد وأعمق من ذلك بكثير، فهي تبدأ من الأعلى، من القدوة، تبدأ من القيادة والشعور بالقرب من المواطنين، تبدأ بالمسؤول وقدرته على التقارب مع المواطنين، تبدأ بإبراز القدرة على الوعي الرسمي في التعامل مع الوعي الشعبي، فإذا اتسعت تلك الهوة بين الطرفين فقدت الولاءات دورها في التقارب والاستقرار بين أطراف العلاقة الوطنية، وبالتالي فقدت الهويات الوطنية دورها المنوط بها في الشأن الوطني.
الجدير بالذكر ـ ومن ناحية ثالثة ـ يلاحظ كذلك على جل المجتمعات الإنسانية المعاصرة، وأقصد: «ازداد شعور العديد من الشعوب بالتشاؤم وعدم الثقة أثناء كفاحهم للتعامل مع الاتجاهات الاقتصادية والتكنولوجية والسكانية المضطربة. كما تكشف الهويات الناشئة حديثًا والولاءات الراسخة وبيئة المعلومات المنعزلة عن خطوط الصدع داخل المجتمعات والدول، وتقوّض القومية المدنية، الأمر الذي أسهم في زيادة الاضطرابات، في وقت أصبحت فيه الجماهير أكثر وعيًّا وقدرة على التعبير عن مطالبها».
وما يزيد الوضع قلقًا هو حال الحكومات نفسها، حيث من الواضح أنها «ستواجه مجموعة من الضغوط الناجمة عن قدرات الجماهير المتعاظمة في ظل الوعي والانفتاح على الخارج. كما ستزيد الفجوة المتزايدة بين الاحتياجات العامة والخدمات التي يمكن أن تقدمها الحكومة، كما قد يؤدي عدم التوافق هذا أيضًا إلى تحفيز مصادر ونماذج جديدة أو متغيرة للحكم».
وقد ضاعفت القوة الشعبية، أو قوة الأفراد، تلك البيئة من التكنولوجيا والمعارف العابرة للحدود الوطنية، فالتكنولوجيا ساوت بين الفقراء والأغنياء، كما مكنت الضعفاء من التعبير عن أفكارهم والمطالبة بحقوقهم، وفي مقابل السلطة الرسمية أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الإلكتروني قوة وسلطة للمجتمعات الضعيفة والفقراء والشعوب في مختلف أنحاء العالم، الأمر الذي يدفع بدوره كذلك إلى اتجاهات رسمية أكثر حذرًا في التعامل مع الشعوب، وهو الأمر الذي أشرت إليه حول أهمية الهوية الوطنية.
محمد بن سعيد الفطيسي
باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية
رئيس تحرير مجلة السياسي – المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
MSHD999 @