لماذا ينكر بعض الناس المعروف؟ هل لأن العطاء لا يضمن الامتنان؟ فهناك من يتلقى إحسانك ويقدّره، وهناك من يعتاد عليه حتى يظنه حقًّا مكتسبًا، وهناك من يسمح للخلافات وسوء الظن بأن يطمسا في لحظة ما قدمته له على مدار سنوات. وفي العلاقات الأسرية تحديدًا، قد تتحول التضحيات المتكررة إلى توقعات دائمة؛ فما كنت تفعله بحب يصبح واجبًا، وما كنت تتحمله اختيارًا يصبح أمرًا مفروغًا منه. وحين تتوقف أو تطلب بعض التقدير، قد لا يدرك الطرف الآخر حجم ما كنت تقدمه أصلًا. وإن كانت الحقيقة المجردة تقول: لا تجعل نكران شخصٍ لما قدمته سببًا يجعلك تندم على عطائك، بل اجعله سببًا لتتعلم كيف تعطي دون أن تهمل نفسك، وكيف تحب دون أن تتنازل عن كرامتك؛ فليس المطلوب أن يقدرك الآخرون لمجرد أنك تحبهم.
بعد عمرٍ من العطاء، هل حان وقت أن نعيش لأنفسنا، بعد أن أدركنا أنه ليس كل من أسعد الآخرين عاش سعيدًا، وليس كل من أعطى عمره لمن يحب وجد في نهاية الطريق قلبًا يتذكر ما فعل؟ ثمة أناس يقضون أعمارهم في أداء دور المنقذ، يحملون هموم الأسرة، ويحسبون حسابات الغد، ويتنازلون عن رغباتهم الصغيرة كي لا يحزن أحد، ويؤجلون أحلامهم مرةً بعد مرة، حتى يصبح التأجيل أسلوب حياة، وتتحول سعادتهم الشخصية إلى موعد مؤجل لا يأتي أبدًا. يعملون أكثر مما ينبغي، وينفقون أكثر مما يحتملون، ويصمتون حين يكون الكلام حقًّا لهم، ويتجاوزون عن جراح صغيرة حتى تتراكم في داخلهم جراح لا يراها أحد. يفعلون ذلك لأنهم يحبون، ولأنهم يعتقدون أن العطاء واجب، وأنه سيصنع في النهاية مساحة آمنة من المودة والامتنان، لكن اكتشفنا أن الحياة لا تمنح المكافآت لما قدمناه؛ فقد يأتي يوم يكتشف فيه الإنسان أن بعض الذين بذل من أجلهم كل شيء اعتادوا عطاءه حتى صار في نظرهم واجبًا، وأن ما كان يومًا تضحية عظيمة أصبح أمرًا عاديًّا لا يستحق حتى كلمة شكر. وتكون الصدمة أقسى حين يأتي هذا الشعور من داخل الأسرة، من أولئك الذين كان الإنسان يظن أن تعبه من أجلهم لن يضيع، وأن سنوات عمره التي أنفقها في سبيل راحتهم ستبقى حاضرة في ذاكرتهم، حتى إن اختلفوا معه أو قصّروا في التعبير عن محبتهم. وهنا تبدأ الأسئلة المؤلمة: هل أخطأت حين أعطيت؟ هل بالغت في التضحية؟ وهل كان عليّ أن أفكر في نفسي أكثر مما فكرت في الآخرين؟ والحقيقة أن العطاء ليس خطًا، والحب ليس خطيئةً، والوفاء لا يستحق الندم. لكن الخطأ أن يتحول العطاء إلى إلغاء للذات، وأن يعتقد الإنسان أن عليه أن يدفع من صحته وراحته وأحلامه ثمنًا دائمًا كي يحتفظ برضا الآخرين؛ فليس من العدل أن تقضي عمرك كله في محاولة إسعاد الجميع، ثم تكتشف أنك الشخص الوحيد الذي لم تمنحه نصيبه من السعادة. ولعل أكثر ما يحتاج الإنسان إلى تعلمه في النصف الثاني من عمره هو أن المحبة لا تعني الاستجابة لكل طلب، وأن صلة الرحم لا تعني استنزاف النفس، وأن مسؤوليات الأسرة، مهما عظمت، لا تلغي حقه في أن يستريح ويستمتع بما بقي من أيامه. علينا ترتيب الأولويات، وأن تفهم أن لنا حقوقًا، كما الآخرين، وأن راحتنا ليست جريمة، وأن قول «لا أستطيع» أحيانًا لا يجعلك أقل حبًّا أو وفاءً. لقد أمضيت سنوات طويلة تفكر في أقساط الغد، ومصاريف الأسرة، واحتياجات الأبناء، وما ينبغي أن تفعله كي لا ينقص أحدهم شيء. وربما حان الوقت لتسأل أنفسنا: ماذا أريد أنا؟ ما الأماكن التي تمنيت زيارتها ولم أزرها؟ وما الأشياء الصغيرة التي كنت أحبها ثم هجرتها لأن الوقت لم يكن يسمح، أو لأن المال كان مخصصًا دائمًا لاحتياجات الآخرين؟ ربما تكون سعادتنا في رحلة قصيرة، أو جلسة هادئة مع صديق، أو كتاب نقرؤه دون أن يقاطعنا شعور بالذنب، أو يوم تقرر فيه ألا تحمل فوق كتفيك مشكلات العالم كله. لا تنتظر أن يتغير الجميع كي تبدأ حياتك، ولا تجعل تقدير الآخرين شرطًا لشعورك بقيمة ما فعلت. افعل الخير لأنك تؤمن به، لكن لا تجعل إنكار الجميل سببًا في إهدار ما بقي من عمرك. وتذكر أن الأسرة التي تحبك حقًّا ينبغي أن تتسع لاحتياجاتك أنت أيضًا، وأن العلاقة الصحية ليست طريقًا يسير فيه طرف واحد بالتضحية، بينما يكتفي الطرف الآخر بتلقي ثمارها. والآن، بعد كل هذه السنوات، ربما آن الأوان أن تتصالح مع أنفسنا وتحبها، وأن نمنحها بعض ما منحت الآخرين، وأن تدرك أن العمر ليس مشروعًا مفتوحًا لإرضاء البشر، وأن الأيام التي مضت لن تعود مهما حاولت تعويضها. لكن تستطيع، ابتداءً من اليوم، أن نختار ألا نؤجل سعادتنا إلى أجل غير معلوم. عش ما بقي من عمرك بمحبة، لا بخوف. وبالعطاء، لا بالاستنزاف. وبالوفاء، لا بإلغاء الذات؛ فقد حان الوقت أخيرًا أن نمنح أنفسنا حقها في الحياة، بل إنصافًا لإنسانٍ تعب كثيرًا، وصبر كثيرًا، ويستحق أن يبتسم دون أن يشعر بالذنب.
جودة مرسي
من أسرة تحرير «الوطن»