تأتي دعوة النيابة العامة ـ مشكورة ـ بتاريخ (25) أكتوبر الماضي لعام (2026)، على حسابها الرسمي في منصة (X)، إلى التحلّي بالوعي وإبداء الرأي المسؤول والحكمة في الأقوال والتصرفات، لا سيما عبر منصات التواصل الاجتماعي، والابتعاد عن كل ما من شأنه الإساءة إلى الدول أو رموزها أو شعوبها، أو المساس بالعلاقات التي تربط سلطنة عُمان بها؛ لتشكل خيوط اتصال نوعية في تعظيم الوعي، وترقية ضوابطه، وترسيخ معالمه، وتجديد الالتزام به باعتباره عقدًا أخلاقيًّا وميثاق شرف والتزامًا ذاتيًّا وصحوة ضمير، وحس وطن وثقة في نهج الدولة، وتأكيدًا لما رسمته من مسارات تشريعية وقانونية وضبطية وارتباطه بالحرية المسؤولة، ووجوب استحضاره في ظل فراغ الضوابط في المنصات الاجتماعية، بما يؤكد أن أهمية تحقيق ذلك تتجاوز مرحلة بناء ضوابط النشر وتقنين حرية التعبير وتعظيم الرأي المسؤول ومصداقية الكلمة وموضوعية الطرح؛ لتؤسس لفهم أعمق لمعنى المواطنة الواعية والمواطنة العالمية المنتجة وتأكيد مبدأ المشتركات القيمية والتعددية، وتؤكد أن الحرية ليست مجرد مساحة متاحة للقول، بل مسؤولية في تقدير الأثر، وإدراك النتائج، واستحضار ما قد يترتب على الأقوال والأفعال والتلميحات من تداعيات خطيرة تمس أمن الوطن ومكانته ورموزه وعلاقاته ومصالحه. فتبنى العلاقات على محددات معينة وأطر مقننة واستراتيجيات أداء رصينة، في مجتمع تحكمه روابط وقيم ومصالح مشتركة، ودول تتفاعل مع محيطها الإقليمي والدولي وفق منظومة من العلاقات والمبادئ والمصالح المتبادلة.
إن العلاقة بين الوعي والحرية المسؤولة علاقة عضوية لا يمكن الفصل بين طرفيها؛ فلا يمكن الحديث عن مجتمع بلغ مرحلة النضج الفكري والمسؤولية الاجتماعية ما لم يمتلك أفراده القدرة على توظيف الحريات المتاحة في إطار من الحكمة والاتزان، والشعور الجمعي بالمسؤولية والثقة في المنجز وإدراك طبيعة الحقوق والواجبات. ذلك أن الحرية المنفصلة عن الوعي والمضادة للالتزام اندفاع غير محسوب، وسلوك غير مأمون، والوعي الذي لا يجد مساحة للتعبير والمشاركة يفقد جانبًا من قدرته على التأثير والبناء. ولذلك، فإن التحدي الحقيقي اليوم، في ظل هذا العالم الفكري الواسع وما يشهده من نمو في المعرفة وسرعة انتقال المعلومة وتداولها وكثرة التفسيرات غير المنضبطة حولها واتساع مساحة القيل والقال، يكمن في الارتقاء بمستوى الممارسة القولية وطريقتها وأسلوبها وموضوعيتها، بحيث تصبح الكلمة أداة للإصلاح، والرأي مدخلًا لتصحيح المسار، والنقد وسيلة لتطوير الأداء وتعزيز الثقة. وبالتالي، فإن الحرية المسؤولة التي يحتاجها المجتمع اليوم هي تلك التي توازن بين قدرة المواطن على التعبير عن رأيه وممارسة دوره في إطار من الوعي والمسؤولية والرقي والذوق واستحضار السيادة والتزام الموضوعية وتعظيم المشتركات، وبين عدم الإضرار بحقوق الآخرين أو الإساءة إلى الوطن أو الإخلال بمصالحه والتعدي على ثوابته ورموزه وسيادته.
ومن هنا، فإن ما دعت إليه النيابة العامة، مشكورة، في منشورها أو منشوراتها السابقة ذات الصلة بالتعامل الواعي مع المخاطر الرقمية ومنتوج الخطاب اليومي في المنصات الاجتماعية، في إطار من حكمة في الأقوال والتصرفات عبر منصات التواصل الاجتماعي، يضعنا أمام حقيقة مهمة، وهي أن الفضاء الرقمي، رغم ما قد يعيشه من فراغ الضوابط ومساحة الحرية، إلا أنه يقع ضمن دوائر المسؤولية الشخصية والمجتمعية والأخلاقية والأمنية والذوقية، والرقابة المسؤولة على كل التصرفات والأقوال ومستوى تأثيرها السلبي وإقلاقها للثوابت، وتعريض الخصوصيات للخطر والإشاعة. لذلك، لم تعد هذه المنصات الرقمية مجرد مجال للتواصل وتبادل الآراء، بل أصبحت عاملًا مؤثرًا في تشكيل الاتجاهات والانطباعات، وصناعة المواقف، وتوجيه الرأي العام، وبناء وعي الناشئة، وباتت الأفكار المعلبة والرسائل الإعلامية المختصرة والشائعات الرقمية و»الترندات» السريعة وصفحات ومواقع المروجين للدعاية والإعلانات، تمارس تأثيرًا كبيرًا في تشكيل الوعي الجمعي.
عليه، فإن دلالات هذا البيان تحمل في ذاتها روح الوعي الجمعي والمسؤولية المضبوطة، وأن مسؤولية الكلمة، ما دامت قد خرجت للعلن ووصلت المنصات الرقمية، لم تعد حالة خاصة، وتعدت حدودها المسموحة وخطوطها الحمراء؛ كونها لم تتوقف عند حدود المجتمع الداخلي، بل امتدت إلى ما هو أبعد من ذلك، أي طبيعة حضور الدولة في محيطها، وإلى الصورة التي تعكسها ممارسات أفرادها عن قيمها ومبادئها. فسلطنة عُمان التي ارتبط حضورها برسالة السلام والحكمة وحسن التعامل واحترام الآخرين، لا تنفصل هذه الصورة عن سلوك أبنائها في خطابهم وتفاعلهم، سواء في المجال العام أو عبر المنصات الرقمية. ثم، فإن احترام الدول ورموزها وشعوبها، والابتعاد عن كل ما يمس العلاقات التي تربط سلطنة عُمان بها، ليس مجرد التزام عفوي يحقق الذوق العام، والرقي في استخدام المنصات الرقمية ـ والتي جاء المشرع العُماني لاستحضارها والمحافظة عليها وتأكيد وجودها في أي ممارسة قولية عبر هذه المنصات، لما في ذلك الالتزام من أمان مجتمعي واحتواء للمواقف ـ بل هو تعبير عن وعي بالمصلحة الوطنية، وإدراك لمتطلبات العلاقات الدولية، واحترام لما تقوم عليه من مبادئ الاحترام وحسن الجوار، والتفاهم والتعاون المتبادل. فإن المسؤولية في هذا الجانب لا تعني مصادرة الرأي أو تعطيل حق الإنسان في التعبير ـ فالفكر في عُمان لا يصادر ـ بل إعادة إنتاج الذات الفكرية من جديد، وتصحيح الصورة الذهنية السلبية التي يحملها حول أمر ما؛ إذ عندما يكون الهدف منها النشر عبر هذا العالم الافتراضي أو إخراجها من دائرة الذاتية الشخصية، تتحول في شكلها وأحكامها ومعايير التقييم والرصد والمتابعة لها، لتصبح تحت حكم القوانين والأنظمة واللوائح السارية.
كما أن بناء الفكر النقدي لا يعني رفض الأفكار الجديدة أو الانغلاق أمام الثقافات المختلفة، بل محطة تحول تعيد إنتاج الواقع وتتجه بالشخصية الناشئة إلى العمق والبحث فيما وراء المعلومات المعتادة والمعلبات الفكرية الرائجة والمتداولة، وامتلاك القدرة على تحليل الأفكار ومراجعتها وتقييمها في ضوء محكات القيم والثوابت الوطنية والثقافية للمجتمع، لتشكل التربية النقدية خيار قوة في إدارة المواقف الفكرية أو ما يتعرض له النشء عبر هذه المنصات من أشكال التغرير الفكري والتأثير السلبي الذي يسلبهم حق البحث والتأمل والفهم والوعي. إن النقد البناء بذلك ضرورة لتصحيح الأوضاع، والكشف عن أوجه القصور، وتقديم البدائل، ومساءلة الممارسات في إطار موضوعي يستند إلى الوقائع والأدلة. أما السب والشتم والتشهير والتعميم والإساءة إلى الشعوب والدول، فلا تنتج معرفة، ولا تقدم حلًّا، ولا تخدم قضية، بل قد تفتح أبوابًا لسوء الفهم والكراهية والتنمر الفكري، وتضر بروابط إنسانية ووطنية تشكلت عبر سنوات من التواصل والتعاون.
وعود على بدء، فإن حرية التعبير وحوكمة الرأي وتقنينه لا تعني منع الأقلام المضادة من التعبير عن آرائها بموضوعية ومهنية وفي حدود القانون والعرف، بل أن تتعامل المؤسسات مع ما يطرحه الأفراد من آراء وملاحظات بروح من الحوار والانفتاح، وأن تنظر إلى النقد باعتباره فرصة لفهم الواقع واستكشاف مكامن الخلل، لا مجرد موقف يستدعي الرفض أو الانزعاج؛ انطلاقًا من أن المواطنة المسؤولة تقوم على التفاعل بين المجتمع ومؤسساته، وعلى الثقة المتبادلة التي تسمح بتبادل الرأي وتقييم الممارسة وتصحيح الأخطاء. وكلما اتسعت قنوات الحوار المؤسسي، وجد المواطن المساحة المناسبة للتعبير عن قناعاته، وازدادت فرص تحويل الملاحظات إلى مبادرات ومشروعات وحلول عملية. فإن قبول منطق ثورة الأقلام والأفكار الإعلامية المضادة المطروحة عبر مختلف الوسائل الإعلامية المتنوعة والمنصات الاجتماعية، في إطار حيادية الطرح وموضوعية النقاش، وبناءً على حقائق ومؤشرات ونتائج الفعل المؤسسي وتقارير الأداء واستطلاعات الرأي ونتائج الحوارات واللقاءات والإحصائيات والتقارير الوطنية والدولية، يؤكد الحاجة إلى أن تتبنى المؤسسات مفهومًا أعمق للتعايش الفكري وتعظيم المنتج الفكري القائم على حوكمة الحوار الاجتماعي وصناعة الأثر، وتبني نماذج عملية في التشخيص والرصد والتحليل والعمق في قراءة مهام واختصاصات المؤسسات وآلية العمل، الأمر الذي سيقلل من الصدمات الفكرية والفجوات التطويرية، ويضمن سرعة الاستجابة الوقائية في التعامل مع هذه المعطيات، وفي الوقت نفسه الارتقاء بمستوى الطرح والانتقاء والاختيار لهذه الموضوعات، بحيث تتجه هذه الأقلام والأفكار نحو نمو ثقافة النقد المتوازن البعيد عن التكلف والشخصنة للأحداث وتحجيم النقد في شخص ما، ليتجه الأمر إلى نقد الفعل وتحليله ودراسته في إطار منهجية واضحة وعقلية متفتحة.
أخيرًا، فإن الوعي والحرية المسؤولة وجهان لعملة واحدة، وهي بناء مجتمع آمن وبيئة مطمئنة وسلام دائم ومشتركات تحفظ حق الإنسان ومنجز الأوطان، غايتها الوصول بالمجتمع إلى القوة الفكرية، والنضج المعرفي، والسمو الأخلاقي؛ مجتمع يصنع الإرادة، ويؤمن بالمنافسة، ويستفيد من الخبرة، ويتقن الإنتاج، ويطوّر أدواته، ويخلص في مهامه، ويبني سلامًا داخليًّا وعلاقة ودّ مع مؤسساته وقيادته، كما يؤمن بالمشترك والسلام العادل والحوار مع الآخر المختلف والمشترك أيًّا كان، ومواطن يقرأ الواقع بموضوعية، ويشخص التحديات بأمانة، ويقدم رأيه بحكمة، ويحفظ للآخرين حقوقهم وكرامتهم، ويضع المصلحة الوطنية في مقدمة أولوياته. عندها تصبح الحرية المسؤولة مساحة الأمان التي تتيحها الدولة للمواطن ليمارس فيها أدواره ومسؤولياته بكل اختيار ورغبة وشعور بالمسؤولية، مع الاحتفاظ بسقف التفاعل الواعي معها، في ظل ما يقرّه التشريع ويحتكم إليه القانون.
د.رجب بن علي العويسي