السبت 07 نوفمبر 2026 م - 27 جمادى الأولى 1448 هـ
أخبار عاجلة

العالم فـي رقيه وتقدمه وجماله يتجلى نموذجا فـي اليابان «٣/٩»

العالم فـي رقيه وتقدمه وجماله يتجلى نموذجا فـي اليابان «٣/٩»
السبت - 07 نوفمبر 2026 02:53 م

سعود بن علي الحارثي

10

أولًا: الأدب الياباني... اكتشاف المعنى في الأشياء (٣).

«كافكا على الشاطئ» هي الأخرى أحدثت حراكًا نشطًا في المشهد الروائي الياباني، ونالت استحسان النقاد والقراء، وحصدت جوائز أدبيةً، وكشفت عن قدرات «هاروكي موراكامي» في توظيف عبقريته وتوليف مزيجٍ من الحكايات والمواقف والأحداث والتصورات الغرائبية التي تدهش القارئ وتدخله في أجواءٍ مشحونةٍ بالتناقضات والاستغراب، وخلق هذا الكم من السرد المتقن الذي يثير الفضول والإبهار، وحبكة رصينة تضيء بالالتفاتات الغنية بالمعنى من واقع الحياة: «القدر، أحيانًا، كعاصفة رملية صغيرة لا تنفك تغير اتجاهاتها». «تصحو النحلة الغافية وتطن من حولي لفترةٍ. ثم تندفع من النافذة وكأنها، أخيرًا، تذكرت ما الذي عليها فعله». «كل منا يفقد شيئًا عزيزًا عليه، فرصًا، إمكانياتٍ، مشاعر لا يمكننا استعادتها أبدًا. كل هذا جزء من معنى كوننا نعيش. ولكن في داخل رؤوسنا نخزن الذكريات في غرفةٍ صغيرةٍ هناك. غرفةٍ كالرفوف في هذه المكتبة، ولنعي الأعمال التي كتبتها قلوبنا، علينا أن نصنفها وننظمها ببطاقاتٍ، ونزيل عنها الغبار من حينٍ لآخر، ونجدد لها الهواء، ونغير الماء في أواني الزهور، بكلمات أخرى: ستعيش إلى الأبد في مكتبتك الخاصة بك». «ابنة الساموراي»، السيرة الروائية لـ«إيتسو إيناجاكي سيجيموتو»، التي كتبت بلغةٍ عذبةٍ سلسةٍ تهز الشعور الإنساني، وترجمتها إلى العربية الكاتبة العُمانية «عائشة الفلاحي»، أفادت قارئها بكمٍّ من المعلومات عن التقاليد اليابانية وتفاصيل حياة المجتمع وعاداته ومفاهيم وأسرار المعتقدات الدينية البوذية والشنتوية، والأساطير التي أسَّست لوجود اليابان: «إنها قصةٌ طويلةٌ، لكن الجزء المهم لنا هو أن إلهًا يُدعى إبزاناجي وآلهةً تُدعى إيزانامي ـ آدم وحواء ـ جاءا من السماء على جسرٍ عائمٍ وأنشآ جزر اليابان. ثم قررا البقاء لإقامة مراسم الزواج وبناء منزلٍ لهما. فذهبا إلى الصرح السماوي للقيام بمراسم الزواج...». وفي حراك المشهد الثقافي العُماني، أعتز كذلك بترجمة نصٍّ لي بعنوان «من ولاية إبراء» إلى اللغة اليابانية بجهدٍ ومبادرةٍ من النادي الثقافي، ضمن كتاب «مختارات من الأدب العُماني». ومن جانبٍ آخر، قرأنا عن اليابان كونها دولةً استعماريةً، عُرف عن جيشها ارتكابه أعمالًا غايةً في الوحشية وتنفيذه لمذابح جماعيةٍ وتنكيله بالملايين من البشر في الصين وكوريا والفلبين وإندونيسيا. لقد «ارتكبوا أعمالًا فظيعةً هناك. أعدموا خمسمئة أسيرٍ، وأجبروا عشرات الآلاف من المزارعين على العمل عندهم بالسخرة حتى مات نصفهم، أولئك الجنرالات وضباط الميدان عاثوا فسادًا في الصين...»، من رواية «يوميات طائر الزنبرك». الكاتبة الصينية «يونج تشانج»، في تحفتها الروائية «بجعات برية»، تناولت باستفاضةٍ حياة الصينيين وأهوال ما وجدوه «تحت سيطرة اليابانيين»، من (1938) إلى (1945)... في حين أنها ـ أي اليابان ـ لم تخضع طوال تاريخها لأي مستعمرٍ باستثناء استسلامها وخضوعها لاحتلالٍ عسكريٍّ من قبل قوات الحلفاء بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، بعد الحرب العالمية الثانية؛ فقد قاد هجوم «بيرل هاربر»، الضربة العسكرية المفاجئة التي قامت بها اليابان في جزيرة أواهو بولاية هاواي الأميركية، إلى مشاركة الولايات المتحدة الأميركية في الحرب العالمية الثانية، واستخدامها لأول مرةٍ القنبلة الذرية التي ألقيت على مدينة هيروشيما، فنتج عنها استسلام اليابان لقوات الحلفاء... فكان نهوضها السريع، وإعادة بنائها من جديدٍ، وتحديث أنظمتها وبنيتها الأساسية، وازدهار اقتصادها وصناعاتها وإنجازاتها العلمية، وقدرتها على المنافسة لتتربع تصنيفًا ضمن رابع أكبر اقتصاد في العالم، والأجود في الصناعات والتقنية، نموذجًا ومثالًا ملهمًا ألهب حماس الكتاب والرحالة والمفكرين والإعلام بشكلٍ عامٍّ... يوجز الدكتور مصطفى محمود حقيقة رؤيته وانطباعاته عن اليابان قائلًا: «في اليابان تعدادٌ يتجاوز المائة والعشرين مليونًا في مساحةٍ أصغر من مصر، ومع ذلك لا مجاعة ولا فقر، بل فائضٌ يزيد على الفائض الأميركي، في بلادٍ ليس فيها بترول ولا فحم ولا حتى خام الحديد، ولكن فيها أثمن كنز الإنسان». يطلق عليها «أرض الشمس المشرقة»، أو «منبع الشمس»، لموقعها الجغرافي المتميز في أقصى شرق العالم المأهول آنذاك، ويسعفني الذكاء الاصطناعي بمعلوماتٍ أخرى، لا تقل إبهارًا بهذا البلد العظيم، هل قلت بلدًا؟ إنها «كوكب اليابان، مجازًا، لوصف طابعها الفريد الذي يجمع بين أصالة الماضي وعراقة التقاليد الشرقية، وبين قمة التطور التكنولوجي والمستقبل الرقمي المذهل»، هي «التقاءٌ ساحرٌ بين الماضي العريق والمستقبل المتألق»، أرض «المعابد الهادئة والحدائق المزهرة، تعيش بجانب المدن الذكية، الجبال الشامخة والغابات الخضراء، لترسم مشهدًا دائم الجمال»، وتعبر انحناءة الياباني وابتسامته الهادئة عن الذوق والرقي... تعد اليابان أكبر دولةٍ جزريةٍ في شرق آسيا، (١٤٢١٥) جزيرةً، وسلالة «ياماتو»، فيها، أقدم ملكيةٍ وراثيةٍ في العالم، وينظر إلى مسرح «نو» كأحد أقدم التقاليد المسرحية في العالم. تتميز بالتنوع؛ فكل مدينةٍ تتفرد بلغتها وتقاليدها الخاصة، بالفنون ومذاقات الأطباق وخصوصيتها، وهو ما يرفع من نسبة الاستمتاع بالتنقل والتطواف في محافظاتها الكثيرة، وتعاني من الكوارث الطبيعية المدمرة خاصةً الزلازل والأعاصير، وتعمل الحكومة على توظيف التقنية والذكاء الاصطناعي والتقدم المعرفي في التقليل من آثارها، وقد نجحت في ذلك إلى حدٍّ بعيدٍ. تفرُّدٌ في الموقع الجغرافي والتقدم العلمي والازدهار الحضاري والاقتصادي والتنوع المدهش ورقي الشعب ونبل أخلاقه... إنها اليابان، عالمٌ مستقلٌّ بذاته، متفردٌ بعوالمه، مثيرٌ للإدهاش، جزءٌ من عالمنا الجغرافي وروابطه وصلاته الإنسانية، منفصلٌ في خصائص وإرادة شعبه، في قدرته على التعافي من نكباته، في سرعة ونمو إنجازاته وازدهار اقتصاده وتتابع ثوراته العلمية، في تفرد ما يقدمه من مفردات الجمال لزواره، مزجٌ غريبٌ بين التقاليد المحلية والآثار والأحياء القديمة والمتنزهات الأنيقة، والعصرنة في أحدث ثوراتها وتقليعاتها وتطور منتجاتها وتقدم صناعاتها، وأشهى أطباقها، كل زائرٍ لليابان سيجد ضالته، ويحقق هدفه، ويحصل على مراده، ويصل إلى ما يتمناه ويتطلع إليه ويشتهيه، وسوف يلتقط الكثير الكثير من الإضاءات التي تفيده في الحياة، مواقف ومشاهد ومحطات وسلسلة من مفردات الجمال، تثير الفضول والدهشة والتأمل والأسئلة والتوقف برهةً من الزمن لاستيعاب هذا التألق والسمو والتأنق، رحلةٌ كفيلةٌ بإحداث التحولات العميقة في الإنسان، تهز كيانه، تزلزله، تفجر في داخله أحاسيس وأفكارًا تعيد صياغة الأشياء والتصورات والقناعات ليجد المعنى الحقيقي والعملي فيها... «يتبع».

سعود بن علي الحارثي

[email protected]