السبت 07 نوفمبر 2026 م - 27 جمادى الأولى 1448 هـ
أخبار عاجلة

زيارات جلالة السلطان .. دبلوماسية تعزز الحضور الدولي وتوسع الشراكات الاستراتيجية «1ـ3»

زيارات جلالة السلطان .. دبلوماسية تعزز الحضور الدولي وتوسع الشراكات الاستراتيجية «1ـ3»
السبت - 07 نوفمبر 2026 02:59 م

سليمان بن محمد الطائي

10

في امتداد لنهج دبلوماسي راسخ، واستثمار لرصيد الثقة السياسية وتحويله إلى شراكات عملية، جاءت الزيارات السامية التي قام بها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ منذ بداية العام (2026) لتجسد مسارًا متقدمًا في الدبلوماسية العُمانية يقوم على بناء شراكات استراتيجية مستدامة وقابلة للتمدد.

فالحضور المباشر لجلالة السلطان ـ أيده الله ـ في عدد من العواصم الأوروبية والآسيوية والإفريقية أتاح فتح قنوات رفيعة المستوى لمناقشة المصالح المشتركة، وفي الوقت ذاته وضع إطارًا سياسيًّا لدفع التعاون الاقتصادي والاستثماري والتقني. ويتضح ذلك من طبيعة الوفود المصاحبة لجلالته، التي ضمت مسؤولين عن الاستثمار والتجارة والاقتصاد والمالية، بما يؤكد أن الزيارات أصبحت منصة متكاملة تجمع بين البعد السياسي والأولويات التنموية. ففي زيارة دولة إلى الجمهورية الفرنسية ـ على سبيل المثال ـ جاء التحرك في إطار تعزيز العلاقات وتوسيع آفاق التعاون والشراكة في مختلف المجالات، بينما حملت زيارة كازاخستان بصورة صريحة هدف بناء جسور جديدة للشراكة والاستثمار.

ولا تكمن أهمية تعدد الوجهات في اتساع الخريطة الجغرافية للزيارات فحسب، وإنما في تنوع الوظائف التي تؤديها هذه العلاقات بالنسبة للاقتصاد والسياسة الخارجية العُمانية. فالتواصل مع فرنسا والمملكة المتحدة يعزز الشراكات مع مراكز أوروبية تمتلك خبرات متقدمة في التكنولوجيا والصناعة والتمويل والطاقة النظيفة، بينما تفتح العلاقات مع روسيا وآسيا الوسطى مسارات أوسع نحو أسواق وموارد وممرات تجارية جديدة، وتمنح العلاقات مع بوتسوانا وأنجولا فرصًا أكبر للانفتاح على القارة الإفريقية بما تمتلكه من إمكانات في الطاقة والتعدين والزراعة والموارد الطبيعية.

وهذا التنوع يعكس استراتيجية تقوم على توزيع الشراكات وتعدد مصادر الفرص، بما يمنح الاقتصاد العُماني قدرة أكبر على الاستفادة من التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي وعدم الارتهان لمسار اقتصادي أو جغرافي واحد.

كما تبرز القيمة الحقيقية للزيارات السلطانية في قدرتها على تحويل العلاقات التاريخية أو السياسية القائمة إلى أجندات تعاون محددة؛ فالمعيار الأهم لم يعد عدد الاتفاقيات التي يتم توقيعها، وإنما ما تتيحه تلك الاتفاقيات من استثمارات ومشروعات ونقل للمعرفة وبناء للقدرات الوطنية.

وفي زيارة الدولة إلى المملكة المتحدة ـ على سبيل المثال ـ حدد البيان المشترك أولويات عملية تشمل الصناعات الخضراء والمتقدمة، والمعادن الحيوية، والفضاء، والذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، والابتكار، وتمويل الشركات الناشئة، إلى جانب تعزيز التعاون في الدفاع والأمن السيبراني والتعليم، مقدمةً أيضًا نموذجًا واضحًا للمرحلة الجديدة من العلاقات العُمانية الدولية إذ لم تتوقف نتائجها عند التأكيد على عمق الصداقة التاريخية، وإنما أسست لأجندة مستقبلية تكتسب فيها جمعية الصداقة العُمانية البريطانية دلالة خاصة، حيث إن احتفالها باليوبيل الذهبي يؤكد أن العلاقات بين البلدين لا تُبنى فقط عبر الحكومات، وإنما تمتد إلى المؤسسات والمجتمعات والأجيال الجديدة. والأهم أن الجمعية دشنت فصلًا جديدًا في مسيرتها من خلال الرعاية الفخرية المشتركة لصاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم آل سعيد وصاحب السمو الملكي الأمير وليام أمير ويلز، وهو ما يمنحها بعدًا مؤسسيًّا ورمزيًّا جديدًا في تعزيز الروابط بين البلدين لتمد المزيد من جسور التواصل بين الشباب والمؤسسات والمجتمعات.

وعند قراءة نتائج الزيارات مجتمعة يمكن القول إن عام (2026) يمثل مرحلة مهمة في تطور الحضور الخارجي لسلطنة عمان؛ إذ لم تعد الزيارة السلطانية محطة للتباحث السياسي فقط، وإنما أصبحت أداة لبناء منظومة متكاملة من الشراكات تمتد من الاستثمار والتجارة والطاقة والصناعة إلى التكنولوجيا والبحث العلمي والتعليم والأمن والبيئة والروابط الشعبية. وهذا ما يجعل أثر الزيارات قابلًا للقياس على المدى المتوسط والطويل من خلال ما ستنتجه من مشروعات واستثمارات وتبادل معرفي وفتح أسواق وبناء قدرات وطنية.

سليمان بن محمد الطائي

كاتب عماني