بانعقاد القمة العالمية التي حملت عنوان «الاستثمار في رفاهية الأطفال: طريق نحو تنمية مستدامة وعادلة للأجيال القادمة» بمدينة سمرقند بجمهورية أوزبكستان خلال أكتوبر الماضي (2026)، بمشاركة ممثلي أكثر من مائة دولة لمناقشة سبل تعزيز الحماية الاجتماعية، والصحة والتعليم وتنمية الطفولة المبكرة، تتسع أهمية تسليط الضوء على أطفال اليوم، أجيال الغد، الذين يتمركز حولهم مفهوم التنمية المستدامة. جاء انعقاد هذه القمة في وقت يدرك فيه الاجتماعيون والاقتصاديون بأن الاستثمار في رفاهية الطفل أكبر من كونه التزامًا أخلاقيًّا أو اجتماعيًّا، بل ضرورة استراتيجية ترتبط بمستقبل المجتمعات، وقدرتها على تحقيق التنمية المستدامة التي تعد الأجيال القادمة محطة اهتمامها. ويزداد الأمر أهمية عندما ندرك بأن تقديرات الأمم المتحدة لعام (2025) تشير إلى أن عدد الأطفال دون سن الخامسة عشرة بلغ حينها (2.01) مليار نسمة، أي ما يقارب (24.4%) من سكان العالم، مما يعني أن الإخفاق في تلبية احتياجات هذه الفئة سينعكس على رأس المال البشري والإنتاجية والاستقرار الاجتماعي لعقود مقبلة. ووفقًا للأطر الدولية لقياس رفاهية الطفل، ومنها إطار منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومؤشرات اليونيسف المرتبطة بأهداف التنمية المستدامة، فإن مؤشرات رفاهية الطفل تتضمن تقييم الصحة والتغذية، ومعدلات وفيات الأطفال، ومستوى الحصول على التعليم وجودته، ومستوى الرفاه المادي، والحماية من الاستغلال ومدى إتاحة الخدمات للأطفال ذوي الإعاقة، في حين يعد تقلص الفوارق بين الجنسين والمناطق والفئات الاجتماعية مؤشرًا على عدالة توزيع مخرجات الاستثمار في رفاهية الطفل.
وبما أن الاستثمار هو مفهوم اقتصادي، فبالضرورة أن يكون للاستثمار في رفاهية الطفل معوقات وتحديات؛ حيث تأتي محدودية الموارد العامة بالدول منخفضة الدخل وارتفاع أعباء الديون، وتنافس الإنفاق على الصحة والتعليم مع الأولويات الأمنية ضمن أبرز العوائق، في حين تفاقم النزاعات المسلحة والأزمات الاقتصادية والتغيرات المناخية هذه التحديات، علاوة على أن الفقر يؤدي إلى حرمان الأطفال من الغذاء الملائم والرعاية والتعليم، فيما يزيد عمل الأطفال والتسرب المدرسي من انتقال الحرمان بين الأجيال.
كما يواجه هذا النوع من الاستثمار أيضًا تحديات أخرى، بينها فجوات الحوكمة وضعف التنسيق بين المؤسسات ذات العلاقة بالطفل وتفاوت توزيع الخدمات وقصور البيانات اللازمة لتوجيه الإنفاق نحو الفئات الأكثر احتياجًا، خصوصًا وأن العائد من الاستثمار في الطفولة يظهر غالبًا على المدى الطويل.
ويرى الاجتماعيون والاقتصاديون أن تجاوز معوقات الاستثمار في رفاهية الطفل يتطلب إعطاء الأولوية للتغذية والصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، والتوسع في برامج تنمية الطفولة المبكرة، وتوجيه الدعم إلى الأسر الفقيرة، وتعزيز الصحة النفسية والحماية من العنف، جنبًا إلى جنب إشراك الأسرة والمجتمع المدني والقطاع الخاص، مع الحفاظ على مسؤولية الدولة في ضمان حقوق الطفل.
في هذا السياق، تفسر نظرية رأس المال البشري أهمية الاستثمار في رفاهية الطفل، باعتباره استثمارًا في صحة الإنسان ومعارفه ومهاراته، بما يعزز قدراته الإنتاجية مستقبلًا، ويرفع فرصه في الحصول على الدخل وإسهامه في دعم النمو الاقتصادي على المدى الطويل.
وتتكامل هذه الرؤى مع مفهوم «نهج القدرات» الذي طوّره الاقتصادي والفيلسوف الهندي «أمارتيا سن»، الذي ينظر إلى التنمية باعتبارها توسيعًا للفرص والحريات الفعلية المتاحة للإنسان، بما يمكّنه من عيش حياة كريمة وتحقيق إمكاناته.
وهناك أيضًا «نظرية النظم البيئية» التي وضع أسسها عالم النفس الأميركي من أصل روسي «أوري برونفنبرنر»، وهي توضح أن نمو الطفل لا يتشكل بمعزل عن محيطه، بل يتأثر بالتفاعل بين الأسرة والمدرسة والمجتمع والظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسات العام، وعليه فإن الاستثمار الفعّال في رفاهية الطفل يتطلب مقاربة متكاملة تجمع بين تنمية قدراته وتحسين بيئته وتوسيع فرصه في الحاضر والمستقبل.
وعليه، يمكننا القول بأن قمة سمرقند العالمية شكلت فرصة لتعزيز التعاون الدولي، وتنسيق الجهود نحو الأولويات الأكثر تأثيرًا، لا سيما في الدول الأكثر هشاشة، خصوصًا وأن الاستثمار في الطفل هو استثمار طويل الأجل في الإنسان والاقتصاد؛ حيث إن المجتمعات التي تحمي أطفالها اليوم تعزز فرصها في بناء أجيال أكثر صحة وتعليمًا وإنتاجية وعدالة غدًا.
طارق أشقر
من أسرة تحرير «الوطن»