هكذا اعتاد صديقي سعيد مهوي أن يقول: كلما واجه مشكلة أو تعقدت أمامه الأمور، يقولها بهدوء وثقة، وكأنَّ شيئًا لم يحدث، بينما يكون الآخرون منشغلين بتقليب الاحتمالات وتوقع الأسوأ.
وكنت أتساءل: من أين يأتي مهوي بكل هذه الطمأنينة؟ وهل تكفي عبارة بسيطة لتغيير علاقتنا بالمشكلات؟
ذات مرة، استوقفتني هذه الفلسفة العفوية التي يمارسها صديقي دون أن يسميها فلسفة، أدركت أن وراء كلماته حكمة تستحق التأمل؛ فهو لا ينكر وجود المشكلة، ولا يدّعي امتلاك حلول سحرية، ولكنه يرفض أن يسمح لها بسرقة سكينته.
تخيل أنك تواجه مشكلة مفاجئة، تبدأ الاتصالات، وتكثر الاستشارات، ويتحول عقلك إلى ساحة مزدحمة بالأسئلة والمخاوف، وكلما حاولت التفكير في الحل، ازداد الموقف تعقيدًا، ثم يأتيك شخص هادئ ويقول: «كل شيء سيستقيم».
قد تظنه لا يدرك خطورة الموقف، ولكن ماذا لو كان يدرك شيئًا غاب عنك؟ ماذا لو كان الهدوء نفسه بداية الحل؟
تذكرت مواقف كثيرة عشتها أثناء المشي في جبال ظفار، كنت أحيانًا أصعد الجبل وفي ذهني مشكلة تشغلني، فأمضي بين الأشجار والمنحدرات، مُستمتعًا بالصمت وجمال الطبيعة، دون أن أضغط على عقلي للبحث عن حل.
وفجأة، تنبثق فكرة لم تكن في الحسبان، أو أرى المشكلة من زاوية جديدة، فأبتسم وأقول لنفسي: لماذا لم أفكر في هذا من قبل؟
لقد كانت الأفكار موجودة في نطاق الممكن، ولكن الضجيج الداخلي حجب عني رؤيتها.
ومن منظور علم نفس الاستنارة، أرى في هذه الخبرة صورة من الانتقال من الاضطراب إلى السكينة، ومن التشويش إلى صفاء الوعي والاستبصار، فالإنسان عندما يهدأ، ويستحضر معية الله، ويتحرر مؤقّتًا من التفكير القلق، يصبح أكثر استعداداً لاكتشاف البدائل واستقبال الإلهامات.
ولكن انتبه! فهناك فرق بين أن تسلّم أمرك لله بعد بذل الأسباب، وأن تستسلم للعجز وتنتظر أن تتغير الحياة وحدها.
إنَّ «كل شيء سيستقيم» ليست دعوة للكسل، وإنما دعوة إلى العمل دون قلق مفرط، وإلى الثقة دون تواكل، وإلى الصبر دون يأس.
في المرة القادمة التي تواجه فيها مشكلة، جرّب أن تتوقف قليلًا، أغلق هاتفك، وابتعد عن الضوضاء، واختلِ بنفسك، واذكر الله، ثم عد إلى المشكلة بعقل هادئ، واسأل نفسك: ما الخطوة التي أستطيع اتخاذها الآن؟
قد لا تتغير الظروف فورًا، ولكنك ستكتشف أن الذي تغير أولًا هو أنت.
شكرًا لصديقي مهوي، الذي علمني بعبارته البسيطة درسًا عميقًا:
ليست استقامة الحياة أن تسير الأمور دائمًا كما نريد، بل أن تستقيم نفوسنا ونحن نواجه ما لا نريد.
وكل شيء سيستقيم، بإذن الله.
د. أحمد بن علي المعشني
رئيس أكاديمية النجاح للتنمية البشرية