الأربعاء 04 نوفمبر 2026 م - 24 جمادى الأولى 1448 هـ
أخبار عاجلة

اليتم.. حين يصنع الضعف الإنساني بابا للرحمة «2»

الأربعاء - 04 نوفمبر 2026 02:23 م


.. فالعمل ليس مالًا فقط؛ إنه مسؤولية، وانضباط، واكتشاف للقدرة، ومعرفة بقيمة الكسب، وبناء للاستقلال، وحفظ لكرامة الإنسان من أن يعيش منتظرًا ما في أيدي الآخرين.

وهنا ينبغي أن تنتقل مؤسسات كفالة الأيتام من سؤال مهم: كم نعطي اليتيم؟ إلى سؤال أهم: ماذا سنجعله قادرًا على أن يعطي حين يكبر؟.

فإذا بلغ الطفل الثامنة عشرة أو العشرين، ثم وجد نفسه بلا علم ولا مهنة ولا مهارة ولا قدرة على الاستقلال، فقد تكون الرعاية قد حفظت سنوات طفولته، لكنها لم تُحسن إعداد مستقبله، أما حين تنتهي الكفالة بشاب متعلم، واثق بنفسه، يمتلك مهنة أو تخصصًا، وقادر على بناء أسرته وخدمة مجتمعه، فإننا نكون قد انتقلنا من الإعالة إلى التمكين.

وهنا تتغير نظرتنا إلى القضية كلها، فاليتيم ليس عبئًا اجتماعيًا نبحث عن ميزانية لتغطية نفقاته، وإنما طاقة إنسانية ينبغي ألا يسمح المجتمع للفقد بأن يبددها.

قد يكون بين أيتام اليوم عالم الغد، وطبيبه، ومعلمه، وقائده، ومهندسه، ومصلحه، ورائد أعماله، وقد تكون المشكلة كلها أن الموهبة جاءت إلى الحياة ثم وجدت نفسها مشغولة بالحاجة عن اكتشاف ذاتها.

فالحرمان إذا تُرك بلا علاج قد يُوِّلد الانكسار، أو الشعور بالدونية، أو الغضب على المجتمع، أما حين يجد الطفل مجتمعًا يحتضنه، ويحفظ كرامته، ويُعلِّمه، ويفتح أمامه أبواب المستقبل؛ فإنَّ العلاقة تتغير، لا يعود المجتمع في وعيه ذلك المكان الذي تركه حين احتاج إليه، وإنما يصبح البيت الكبير الذي وقف معه يوم غاب عنه بيته الصغير.

ولعل هنا موضعًا جميلًا للتأمل في يتم النبي (صلى الله عليه وسلم)، من غير أن نزعم أننا نحيط بالحكمة الإلهية من ذلك، ولقد عرف الفقد، ثم صار رحمة للناس، وعرف اليتم، ثم جاء في شريعته من تعظيم شأن اليتيم ما جاء، وقال (صلى الله عليه وسلم):(أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا(، وأشار بالسبابة والوسطى.

ولا يصح أن نجزم بأن يتمه كان لسبب واحد بعينه؛ فحكمة الله أوسع من أن تحصرها قراءاتنا، لكن من المشروع أن نتأمل كيف خرج من طفولة عرفت الفقد قلب واسع الرحمة بالضعفاء والمحتاجين، وهنا تصبح السيرة مرآة نسأل أمامها أنفسنا: ماذا نصنع نحن بأيتامنا؟.

ولقد تغيرت الحياة اليوم، ولم تعد رعاية اليتيم شأن الأسرة وحدها؛ فالأسرة هي الدائرة الأولى، لكنها ليست الأخيرة، هناك المدرسة، والمؤسسات الاجتماعية، والجمعيات الأهلية، والمؤسسات الصحية، وجهات الحماية الاجتماعية، والأوقاف، وأصحاب الأعمال، والقادرون على التدريب والتوظيف، والدولة التي تستطيع أن تحول رعاية اليتيم من مبادرات متفرقة إلى منظومة تحفظ حقوقه منذ طفولته حتى استقلاله.

وهنا ينبغي ألا نقيس نجاح برامج الأيتام بعدد السلال التي وُزِّعت، ولا بعدد الكسوات في العيد، ولا بحجم المبالغ المصروفة وحدها؛ مع أهمية كل ذلك، بل نسأل أيضًا: كم يتيمًا أكمل تعليمه؟ وكم واحدًا اكتشفنا موهبته؟ وكم واحدًا تعلم مهنة؟ وكم واحدًا وجد عملًا؟ وكم فتاة وفتى دخلا الحياة وهما يشعران بأنَّ فقد الوالد لم يجعلهما أقل من أقرانهما؟ وكم يتيمًا كان بالأمس متلقيًّا للكفالة وأصبح اليوم كافلًا لغيره؟ هنا فقط نكون قد بلغنا الغاية الأجمل.

إنَّ أعظم ما يُمكن أن نتعلمه من طفولة النبي (صلى الله عليه وسلم) أن رعاية اليتيم لا تكتمل بكيس من الطعام، ولا بكسوة العيد، ولا بمبلغ شهري، على فضل ذلك كله، إنَّه يحتاج إلى قلب يحبه، وأسرة تحميه، وبيئة تبنيه، ومهارة تغنيه.

هذه الأركان الأربعة هي التي تستطيع أن تنقل الطفل من دائرة الحاجة إلى دائرة القدرة، ومن انتظار المجتمع إلى المشاركة في بنائه، ولهذا فالسؤال الذي ينبغي أن تطرحه الأسر والجمعيات والمؤسسات ليس فقط: كم يتيمًا نكفل؟ بل: كم إنسانًا استطعنا أن نبني؟.

لقد كان محمد (صلى الله عليه وسلم) يتيمًا، لكنه لم يُترك وحيدًا؛ تعاقبت حوله الرعاية، وكفلته الأسرة، وعرف في شبابه العمل والكسب، ثم بعثه الله بعد ذلك رحمة للعالمين.

وليس لنا أن نقول إن اليُتم هو الذي صنع النبوة؛ فالنبوة اصطفاء إلهي ووحي، وليس لنا أن نحصر أسرار التهيئة الإلهية في أسباب بشرية، لكن لنا أن نتعلم من سيرته معنى اجتماعيًّا بالغًا: أن فقد الأب أو الأم لا ينبغي أن يعني فقد المستقبل.

فغاية المجتمع الرحيم ليست أن يحفظ الضعيف من السقوط فحسب، وإنما أن يقف معه حتى يقوى؛ فإذا قوي، أصبح هو نفسه يدًا تمتد إلى ضعيفٍ آخر، وهكذا تتحول الكفالة من مال يُعطى إلى إنسان يُبنى، ويتحول اليُتم من عنوانٍ للحرمان إلى امتحانٍ للمجتمع كله: هل نترك الطفل وحده مع ما فقد، أم نعوضه حتى يستطيع أن يصنع بما بقي له حياة كاملة؟.

سامي بن محمد السيابي 

كاتب عماني