.. والفعل: (قُتِّلُوا) معناه قُطِّعُوا تقطيعًا، وفُتِّتوا تفتيتًا لم يُبْقِ منهم عضوًا باقيًا، فالفعل مبنيٌّ لما لم يسم فاعله، وتشديد التاء مكسورة يُبيِّن حجم الفعل، وشدته، ويأتي المفعول المطلق المؤكد للفعل؛ ليكشف عن حجم ما يُفعَل بهم، ويرسخه، ويُعمِّقه في أذهان الخلق، وأرواحهم؛ حتى لا يرتكبوا تلك الحماقات في حق الدين، وهذا النفاق الكبير الذي يُودِي بالأمة بأسرها: أن يتعاونوا مع أعداء الله ضد دينهم، وعقيدة ربهم، ومتطلبات إسلامهم، فاستحقوا أنهم أينما وُجِدُوا، أو ثُقِفُوا - أُخِذوا رغمًا عنهم، ووُضِعُوا على مقصلة القتل، وقُتِّلوا تقتيلًا؛ حتى يكونوا عبرة لغيرهم، وعظة لكل من تُسوِّل له نفسُه النفاق ضد الإسلام، وعقيدته، ولصالح الكفر، وحزبه، وحتى نجتثَّ شأفة المنافقين، ونُخليَ الصف المسلم من شرهم، وحقدهم، ودسيستهم، ومكرهم، وخداعهم، وتبييتهم.
فقد رأينا تلك الوقفات، والابتداءات في الآيات كم أعطت من معنى، وكم أضافت من دلالة شرعية، وفقهية، وعقدية، تجعل المجتمع المسلم أكثر استقرارًّا، وأمنًا، وأمانًا؛ حيث ينقِّي نفسه بين الحين، والحين من أمثال هؤلاء المنافقين، الحاقدين، الحاسدين، الذين لم يؤثر الإيمان في قلوبهم، بل أكل الحسدُ عقولهم، وأماتَ المالُ قلوبَهم، وراحت عقائدهم الفاسدة بأرواحهم، ولا يترك المجتمع المسلم أمثالَ هؤلاء يعبثون بمستقبل الأمة، ولا قدراتها، وإمكاناتها، وعقول أبنائها، وإنما يتدخل؛ ليحمي المجتمع من وبال المنافقين، وشرهم، ومكرهم، ومحاولة تدمير المجتمع المسلم.
النموذج الثالث: قوله تعالى: (فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (القصص ـ 25).
هنا عدة وقفات وابتداءات، أكَّدَتِ الإعجاز البلاغي، والدلالي في الآية؛ إذ يمكن للقارئ أن يقرأ كالآتي:(فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ)، فهنا في وقفه على:(تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ) جعل الحياء في مشيها فقط، ثم يبتدئ، فيقرأ:(قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا)، فلم يجعل الحياء في قولها، وإنما جعله في مشيتها فقط.
أما إذا قال:(فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي)، ووقف، ثم ابتدأ، فقرأ قوله تعالى:(عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا) فيكون قد جعل الحياء في قولها، دون مشيها، فقوله:(عَلَى اسْتِحْيَاءٍ) متعلق بالفعل:(قَالَتْ) فيكون قد نقل الحياء من المشي إلى القول، فهي تقول حييةً فوق الحياء، فإن الاستحياء حياءٌ فوق الحياء، فهي تتكلم، وتقتصر على أقل العبارات المُفهِمة، وتستعمل الأفعال اللازمة، والأفعال محذوفة المفعولين، وتقتصر على العناصر الإسنادية الأولية للتركيب اللغوي، ولا تكثر الكلام، فقد تمثل الحياءُ لغةً في حذف المفعولين من الفعل:(لَا نَسْقِي)، وفي جعل الفاعل هو ألف الاثنين؛ حيث نطقتا معًا، فلم يتبين صوت من فيهما، وجاءتا بالفعل:(يَصدُرُ) لازمًا؛ حتى لا تكثر الكلام، فحياؤها بدا لغويًّا من خلال ذلك كله، وبادلهما سيدُنا موسى حياء بحياء عندما قال:(مَا خَطْبُكُمَا)؛ حيث اقتصر على المبتدأ والخبر فقط، وكذلك:(فَسَقَى لَهُمَا) حذف المفعولين، وهما (إبلَنا ماءً)، فالمجتمع كله طهر في طهر، وعفاف في عفاف، ولكنَّ الأولى في الوقفات والابتداءات هنا أن تقرأ الآية هكذا:(فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ)، ثم يقف، ويبدأ:(عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي..)، فيجعل الحياء في قولها، ومشيها معا، وهكذا يكون الوقف والابتداء جاعلا الحياء في كل أخلاقها: مشيا وكلاما، وهكذا المرأة في الإسلام حيية في كل حركاتها: كلاما ومشيا، وأخذا وعطاء، وقوفا وقعودا، وتعاملا، وهو وصف المرأة المسلمة على مر الزمان، وتعاقب الحِدْثَانِ، ودأب المرأة الصالحة في كل عصر، ومَصر.
وهذا يُسَمَّى عند النحويين بابَ التنازع؛ حيث تتعلق أشباه الجمل بما قبلها مرة، وما بعدها أخرى، فتعطي دلالاتٍ متعددة، وتأتي بمعانٍ جليلة، كما في قوله تعالى في سورة الكهف:(آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا) (الكهف ـ 96).
حيث طلب الفعلان:(آتُونِي/ أُفْرِغْ) (قِطْرًا) معمولًا لهما، فالأول طلبه مفعولًا به ثانيًا، والثاني طلبه مفعولًا به، أي:(آتوني قطرًا أفرغه عليه؛ حتى يقوَى ويكون صُلبا، يتحمل ما عليه سنين، ويبقى سنين طويلة).
د.جمال عبدالعزيز أحمد
كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة - جمهورية مصر العربية