الأربعاء 04 نوفمبر 2026 م - 24 جمادى الأولى 1448 هـ
أخبار عاجلة

حين تتحول مفردات التراث العماني ومكنونات البيئة إلى لغة فنية معاصرة

حين تتحول مفردات التراث العماني ومكنونات البيئة إلى لغة فنية معاصرة
الأربعاء - 04 نوفمبر 2026 02:53 م


مسقط ـ العُمانية: تتشكّل تجربة الفنان التشكيلي ناصر بن سيف الحاتمي عند نقطة التقاء الفن بالتراث والبيئة وعلى امتداد أكثر من عقدين، تنقل بين الممارسة الفنية والعمل التربوي والإشرافي وتوثيق الصناعات الحرفية وتطوير منتجاتها، مؤمنًا بأن الموروث الثقافي ليس مجرد ذاكرة للماضي، بل مصدر متجدد للإبداع والابتكار وصناعة المستقبل. ويجمع الفنان التشكيلي في صناعته الفنية بين الخبرة الأكاديمية والممارسة التطبيقية في الفنون والصناعات الحرفية، متقنًا مجالات الفنون المختلفة مثل النحت والتصميم وتوثيق الحرف، ويستكشف في الخامات المحلية ذاكرة المكان وملامح الهوية الوطنية. وقال الفنان التشكيلي ناصر الحاتمي: لم تبدأ علاقتي بالفن من حدود الورقة واللون فحسب، بل اتسعت منذ البدايات لتشمل التأمل في الطبيعة، واستكشاف الخامات المحيطة به، والبحث عن القيم الجمالية الكامنة في تفاصيلها. فقد جذبتني الصخور والجبال وجذوع الأشجار وملامس الأوراق، كما استوقفني الطين بما يتيحه من إمكانات تشكيلية وتعبيرية، ليصبح التجريب بالخامات البيئية أحد المرتكزات الأساسية في تجربتي الفنية. وأضاف: من خلال هذه العلاقة المبكرة مع البيئة، بدأت النظر إلى الخامة بوصفها أكثر من مادة قابلة للتشكيل، فهي تحمل خصائص بصرية وذاكرة مرتبطة بالمكان. وتشكّل لديّ اهتمام بتوظيف الخامات البيئية والعناصر الطبيعية في أعمال فنية تستند إلى الملاحظة والتجريب، وتبحث عن صياغات جديدة تجمع بين الحس الجمالي والارتباط بالبيئة المحلية. وتتخذ تجربة الفنان من التراث الثقافي العُماني مجالًا رئيسيًا للبحث والتجريب، خصوصًا فيما يتصل بالمفردات الزخرفية والشكلية والعناصر الجمالية التي تزخر بها الحرف التقليدية. ولا يقتصر اهتمامه على توثيق هذه المفردات أو إعادة إنتاجها بصورتها المألوفة، بل يتجه إلى دراسة خصائصها البصرية وتحليل بنيتها، واستكشاف إمكانات توظيفها في تصاميم وأعمال فنية ومنتجات حرفية تتناسب مع متطلبات العصر. ويقوم هذا التوجه على رؤية تعتبر التراث منظومة جمالية وثقافية قابلة للتجدد، وليس قالبًا ثابتًا ينبغي الاكتفاء بالمحافظة على مظهره الخارجي. فالمفردة الزخرفية، والخطوط المستوحاة من البيئة، والتكوينات المرتبطة بالممارسات الحرفية، يمكن أن تتحول إلى عناصر تصميمية جديدة عندما تخضع للدراسة والتحليل وإعادة الصياغة، مع الحفاظ على صلتها بهويتها الثقافية. ويلتقي الجانب التشكيلي في أعمال الفنان العُماني مع اهتمامه بتوثيق الحرف وتحليل عناصرها الجمالية وتطوير منتجاتها، في تجربة تتجاوز الفصل التقليدي بين الفنون التشكيلية والصناعات الحرفية. فالفن، في هذا السياق، ليس ممارسة جمالية مستقلة فحسب، وإنما أداة لفهم الموروث وإعادة تقديمه، وفتح آفاق جديدة أمام استثماره في المجالات الإبداعية. وبيّن الفنان التشكيلي أن التعامل مع الخامات المتنوعة يشكّل جانبًا بارزًا في تجربته الذي تنوعت بين النحت على الصخور والخشب، والتشكيل بالخزف والمعادن، والتصميم والأعمال الفنية التطبيقية. ويتيح له هذا التنوع الانتقال بين الخامة بوصفها عنصرًا طبيعيًا وسيطًا يحمل فكرة العمل ودلالاته. وذكر أن في الصخور والخشب، تبرز أهمية الملمس والبنية والكتلة، وما تتيحه من إمكانات في معالجة الشكل والفراغ. أما الخزف، فيفتح مجالًا للتعامل مع الطين ومرونته وتحولاته، في حين توفر المعادن وخامات البيئة الأخرى إمكانات إضافية للتشكيل وبناء العلاقات بين العناصر. مؤكدًا أن هذه الممارسات لا تنفصل عن اهتمامه بمكونات البيئة العُمانية، إذ يسعى إلى استكشاف ما تحمله من إمكانات فنية، وتوظيفها في أعمال تعكس رؤيته الخاصة وعلاقته بالمكان. وأشار إلى أن مسيرته لم تقتصر على إنتاج الأعمال الفنية والمشاركة في المعارض، بل امتدت إلى العمل في المجال التربوي، حيث أسهم في تعليم الفنون وتطوير ممارساتها، ثم انتقل إلى مهام الإشراف الفني، وصولًا إلى عمله مشرفًا عامًا للفنون. وقد أتاحت له هذه التجربة الجمع بين الممارسة الفنية المباشرة والعمل التربوي والإشرافي، والاقتراب من احتياجات المعلمين ومجالات تطوير المهارات الفنية والتطبيقية. كما أسهمت مشاركته في بناء مناهج الفنون التشكيلية، وتنفيذ الحلقات والمشاغل الفنية، والتفاعل مع الفنانين في الملتقيات والمعارض.

وحافظ الفنان التشكيلي على حضوره في المعارض والملتقيات والفعاليات الفنية، وشملت مشاركاته بمعارض الجمعية العُمانية للفنون التشكيلية، ومعرض (نفائس في حب الوطن) الذي نظمته الجمعية عام 2023، والمعرض الفني في الكلية العلمية للتصميم عام 2024، إلى جانب المشاركة في معرض الفنون التشكيلية المصاحب لمعرض مسقط الدولي للكتاب عام 2024م.

حين تتحول مفردات التراث العماني ومكنونات البيئة إلى لغة فنية معاصرة