دمشق ـ «الوطن» :
عن «دار الانتشار العربي» في بيروت، صدرت المجموعة القصصية الجديدة «متاهة حمراء» للاديب الفلسطيني المتوكل طه، والتي تضم قرابة خمسين حكاية تغوص في عمق الواقع الفلسطيني المعاصر بدمه ومفارقاته وأحلامه وفجائعه،وتأتي هذه النصوص محاولةً لتفكيك المشهد المركّب واستشراف الغد من قلب الأزمات، دون السقوط في مجاهل اليأس أو العدمية، بل بالبحث عن مساحات للأمل الإنساني المتجدد. تتوزع قصص المجموعة على مفاصل المأساة الفلسطينية، حيث تنطلق من تداعيات الأحداث المعاصرة مروراً بجذور المظلمة التاريخية، وصولاً إلى التفاصيل اليومية للمواطن المحاصر بالقمع والاستلاب،وتتحرك المتون السردية بين مرارة الواقع والسخرية السوداء، لتعيد رسم المعادلة الإنسانية من جديد وتمنع ضياع البوصلة الأسلوبية والفكرية لدى القارئ.
وقد لقيت المجموعة اهتماماً نقدياً واسعاً من قِبل كتاب ومختصين ناقشوا أبعادها الجمالية والدلالية، إذ يلفت الكاتب عيسى قراقع إلى تقاطع عالمين في القصص: عالم الشعارات الفضفاضة، وعالم المواطن البسيط الحارس لمعنى الوطن الحقيقي، كما في قصص تعاين نماذج هامشية كـ «بائع الترمس» الذي يمثل مرآة حية للكرامة بعيداً عن التجريد النظري.
فيما يقف الدكتور سعيد أبو علي عند جماليات الألم المأساوي في النصوص، واصفاً إياها بمحاولة لكشف الواقع والاستلاب الإنساني للبحث عن طريق يتجدد فيه أمل الروح الفلسطينية.
من جانبها، ترى الدكتورة دعاء بياتنة أن البناء الفني للقصص يعتمد على تقنية التدوير السردي، ما يجسد حالة الاضطراب والتحولات الدقيقة على مستوى الشخصية والمكان والحدث. وتتفق معها الدكتورة غانية ملحيس في أن بطل القصص يتحول من مصير فردي إلى شاهد على سؤال أخلاقي كبير يتعلق بالوفاء للذاكرة والتضحيات، مؤكدةً أن القصص تشكل صرخة ضد التنكر للماضي والنسيان الذي يطال الأحياء والشهداء على حد سواء.
وفي قراءة لأبعادها المشهدية، يرى المخرج يحيى بركات أن العمل يمثل مرثية لجيل كامل واجه تشعب الطرق وتغير المفاهيم، مشيداً باللحظات المكثفة للتحولات القصصية وبنهاياتها ذات البعد السينمائي والبصري. وهو ما أيده الأستاذ خالد سعيد نزال بالشيارة إلى أهم الملامح الجوهرية للكتاب، والمتمثلة في تفكيك وهم «السلام» عبر المفارقة الشعرية، وتوثيق تراجيديا الفدائي وتجربة الإقصاء والتهميش، وصولاً إلى المشاهد الختامية البصرية والسمعية التي تمزج الاحتجاج بالكرامة في قالب أدبي مكثف.
تطرح «متاهة حمراء» نفسها كوثيقة أدبية تنحاز للإنسان والمهمشين، وتستعيد المعنى الأول للكرامة الوطنية عبر لغة مقتصدة تنبض بالحكمة وتختزل ذاكرة أمة لا تزال تقاوم المحو والنسيان.