متى يصيب الهدر الكلفة التنموية؟ أقصد هنا الهدر بمعنى تبديد وضياعات تطول المالية الممولة لفكرة المشروع وتخطيطه، ووضع ميزانية تغطي حاجاته اللوجستية وتوظيف إدارات وأجهزة حسابية ورقابية وتسويقية.
ولكي نكون على بينة دقيقة من مجمل تلك المنظومة لا بد من الاطلاع على حيثياتها؛ كيف يمكن انتشالها من ضغوط هدرٍ قد يصيبها؟
في كل الأحوال، لا يستقيم نوع وحجم الكلفة، إن لم تكن مصحوبة بفائض نسبي للتعويض عندما تتعرض لطارئ ما، لكنه ينبغي أن يكون فائضًا بحدود معقولة لسد النقص الحاصل.
على العموم، يكمن الهدر في التخطيط عندما يحكمه سوء التقدير، الأمر الذي يجعله بنهايات غير محسومة، أما الهدر في الأهداف فيتعلق أصلًا في تسطيرها على أساس طموح طوبائي غير مستمد من واقع المشروع، أما الهدر في الميزانيات فيتعلق بالتكليف المالي الأعلى من السياق المطلوب بذريعة أن ذلك يوفر اطمئنانًا، بينما قد تؤدي هذه الوفرة إلى إهمال التوازن عندما يأتي الرصيد استلالًا من قروض ميسرة، لكنها قد تتحول إلى فخ عندما يتم التورط بقروض قصيرة الأجل لا تتناسب توقيتات تسديدها مع توقيتات الإنتاج، مما يترتب عليه إعادة جدولتها مع تفاقم فوائد، ويعد هذا التورط بيت الداء في مجالات الديون على الصعيد الدولي، حيث تتحول إلى أعباءٍ تثقل كاهل الاقتصادات الوطنية.
أما الهدر الإداري العام فيتعلق بوجود بطالة إدارية مقنعة بعد تصنيع وظائف لا هدف منها إلا التضخيم.
ويبقى الهدر في التسويق الخطر اللاحق إذا لم يحسن الأخذ بحاجات الأسواق الفعلية لمنع الكساد، وكذلك ما يتعلق بسوء خطوط الإمداد وسوء تقدير دور المنافسة صانعة الكثير من الصعوبات مع تعدد المناشئ.
لقد مرت بلدان عديدة في مطبات من هذا النوع بهدف شراء بعض الوقت، لحساب إرضاءات أكبر من القدرات المتوافرة، ولا شك أن استحداث مراكز استشارية مختصة بتقدير الكلف التنموية هي الحل الأمثل لتحاشي سوء التقدير، ولمَّا كانت الفرص لا تتوافر دائمًا للاستعانة بمؤسسات استشارية لضخامة المدفوعات المطلوبة؛ ينبغي التقدير وفق المقاسات الذاتية، واللجوء إلى المقارنات مع حالات مماثلة، الوضع الذي يتطلب من الإدارات الاطلاع على فرص مؤسسات أخرى والإفادة من نجاحاتها، وأين أخفقت، وماذا عملت للمعالجة.
لا شك، هناك دراسات وبحوث جدوى متيسرة في هذه المجالات لا تقع ضمن حدود الملكية الفكرية؛ ولذا يمكن التعرف عليها والأخذ بها تحاشيًا للوقوع تحت طائلة الهدر، على سبيل المثال لا الحصر، الكساد الذي ضرب ما يعرف بدول (النمور الآسيوية): كوريا الجنوبية، تايوان، سنغافورة، هونج كونج عام (1979)، عندما تورطت بتسهيلات قروض قصيرة الأجل واستغرقها تفاؤل غير محسوب على أساس الواقع، إلا أنها تعافت بفضل التدخل الحكومي العاجل والاستثمار الأوسع في ميادين التعليم التطبيقي والتكنولوجيا، مما وفَّر المزيد من الفهم والمرونة التدرجية حتى أصبحت الآن من الدول التي تصلح للاقتداء بعد تجربتها المريرة تلك، وكذلك الكساد الذي ضرب الولايات المتحدة عام (2008)، بما شمل من إفلاس بنوك كانت قلاعًا بأصولها المصرفية التراكمية.
إن حجر الزاوية في كلف التنمية المصانة من الهدر ينبغي أن يقوم على متلازمة الترشيد، ومراعاة ظروف المحيط العام، والنظرة التحسبية لكل احتمالات التحدي، وأن تكون هناك قدرة متوافرة لتعضيد التخادم بين المفردات التنموية.
عادل سعد
كاتب عراقي