أثارت أكبر عملية سرقة مصرفية بأكثر من ستة مليارات دولار قبل أيام ما هو أهم من أخبار الحوادث وردود فعل أسواق المال. قام قراصنة باختراق أكبر منصة للعملات المشفرة، باينانس، وتحويل المبلغ من محافظها الرقمية إلى حساباتهم في خلال نحو ثلاثين دقيقة. وعندما اكتشفت الشركة السرقة، كانت أموال المتعاملين مع المنصة تبخرت. ذكرني الحادث بما أنبه له منذ نحو عقدين بشأن العملات المشفرة والثروات الرقمية الهائلة التي تتراكم في النظام المالي العالمي. ففي تصوري أن كل تلك الثروات، المقدرة بتريليونات الدولارات، ليست حقيقية تمامًا. إنما كما كنا نقول في السابق «أموال ورقية»، أي ثروة على الورق، فهي الآن أموال رقمية، أي عبارة عن سطور برامج حاسوب (كمبيوتر). وحين طرحت أول عملة مشفرة، بيتكوين، على الإنترنت العام قبل سبعة عشر عامًا، كانت الصيحة التكنولوجية وقتها هي شبكة «بلوكتشين» عالية التأمين على الإنترنت والتي يصعب اختراقها لتعقيدها الشديد. حتى إن كثيرين حول العالم بدأوا تضمين الشبكة في مجالات المال والأعمال وغيرها من عمليات البيانات المهمة باعتبارها وسيلة رقمية آمنة نسبيًّا.
لكن في عالم التكنولوجيا سريعة التطور، كلما طور المبرمجون أساليب الحماية وحوائط الصد الإليكتروني، طور القراصنة برامج لاختراقها. وتستفيد شركات البرمجة والخدمات الرقمية من ذلك بسرعة توفير نمط استهلاكي يزيد من مبيعاتها في متتالية متصاعدة للتسويق والعائدات والأرباح. فبرامج الوقاية من الفيروسات وسد ثغرات الاختراق في الشبكات التي كانت تشترى على فترات متباعدة أصبحت الآن «غير ذات صلة» في غضون فترات قصيرة؛ لأن هناك برامج اختراق تطور فيروسات وأساليب اختراق جديدة. وهكذا، ما إن تبدأ في استخدام برنامج الحماية والوقاية من الفيروسات حتى تطالبك الشركة المنتجة بالاشتراك في تحديث جديد لمواجهة الاختراقات التي تطورت بعد شرائك المنتج الأول. من الصعب تصور أن شركات برامج الوقاية تتسرب منها برمجتها بما يسمح للمبرمجين القراصنة بتطوير وسائل اختراقها. لكن بما أن العالم كله مرتبط بشبكة واحدة، وكثير من البرمجيات مفتوحة المصدر، فمن السهل الاختراق. حتى البرمجيات المؤمنة لا يصعب على القراصنة إحداث ثغرات للوصول إلى شفرات برامجها.
ما زالت بعض البلدان المتقدمة، ومنها بريطانيا، تحافظ على التعاملات الورقية إلى جانب التعاملات الرقمية وتستخدم الأولى كاحتياط مادي للرجوع إليه في حالة أعطال البديل الرقمي. إنما المشكلة في العملات المشفرة مثلًا، أنها لا وجود مادي لها، بل هي مجرد أرقام في محافظ رقمية على شبكة بلوكتشين على الإنترنت. وطالما هناك باب أو منفذ لأي تطبيق أو موقع أو جهاز للوصول إلى الإنترنت، فاحتمالات الاختراق واردة مهما كانت طبقات الوقاية والحماية. لا يقتصر ذلك على الأنظمة في القطاع المالي وإنما في كافة قطاعات الاقتصاد وأنظمة الخدمات.
عودةً للأموال الرقمية، فهي بالأساس منتج تكنولوجي، حتى لو كانت قابلة للتحويل إلى أموال حقيقية في حسابات مصرفية. وبالتالي، فالثروة الرقمية ذاتها يمكن تحويلها أو حتى «محوها» تمامًا بواسطة أي قرصان إلكتروني يستطيع اختراق محفظتك الرقمية. تقليديًّا، نعد المضاربة على أسهم الشركات التي ترفع قيمتها السوقية بقوة مجرد «زيادة دفترية» في قيمة الشركة المعنية، كذلك الحال مع تغير قيمة سندات الدين في الأسواق حتى وإن كان المستثمرون يحصلون عوائد «حقيقية» عليها، إلا أن أسعارها تتذبذب بما يزيد حجم ثروة المستمر أو يخفضها. ونتيجة قواعد الإفلاس (التخلف عن سداد الديون) وإجراءات القطاع المصرفي المعروفة بشطب الديون المعدومة أو المشكوك في تحصيلها، تتبخر مليارات من ثروة الدائنين.
هناك أكثر من ثلاثمئة تريليون دولار ديون في العالم على الحكومات والشركات والأفراد، ثلثها تقريبًا ديون عامة، أي على الحكومات. قدر كبير من تلك الأموال قد لا يتم تحصيله إطلاقًا، وبالتالي، هي ثروة وهمية لدى الدائنين. والآن يضاف إلى ذلك نحو تريليوني دولار قيمة العملات المشفرة المتداولة في سوق المشفرات، هي ثروة لدى من يملك محافظ رقمية فيها بيتكوين أو غيرها. لكن تلك الثروة أيضًا أكثر هشاشة من غثاء فقاعة الديون أو الأسهم. والسبب هو أنها ليست مضمونة بأي شيء، فتلك طبيعة العملات المشفرة منذ انطلاقها قبل أقل من عقدين. فليست منظمة من قبل بنك مركزي ولا تستند إلى أي أصول حقيقية ذات قيمة مادية فعلية. ببساطة، فإن التعامل بالمشفرات عملية «مضاربة رقمية» قد تولد ثروات هائلة للمضاربين بسبب التذبذب الكبير في سعر العملات المشفرة. لكن تلك الثروات قد تتبخر في لحظة مع تحرك سوق المشفرات نحو الهبوط. كل ذلك مثل ما يحدث في أسواق الأسهم والسندات والمشتقات المالية الأخرى مثل شهادات ضمان الدين وغيرها. لكن في حالة المشفرات تكون مخاطر حركة السوق أكبر بكثير.
إنما الخطر الذي كشفته عملية السطو المصرفي المليارية الأخيرة يضيف إلى المخاطر المتعلقة بحركة السوق والمضاربات. ويتعلق بخطورة كل ما هو رقمي أو يعتمد بشكل كامل على برامج الحاسوب (الكمبيوتر) دون أي سند مادي احتياطي. وكما ذكرنا، فإن ذلك الخطر لا يقتصر على العملات المشفرة، بل يمتد إلى الكثير في حياتنا من شبكات الكهرباء والطاقة إلى أنظمة الملاحة الجوية وغيرها. ومهما كان ردع القوانين، فإن احتمالات القرصنة والاختراق تظل خطرًا ماثلًا لا يهدد الثروات الشخصية فحسب، بل كثير من سبل حياتنا الحديثة.
د.أحمد مصطفى أحمد
كاتب صحفي مصري