تمثل عملية التسويق والترويج للاستثمار أحد أهم الأدوات في استقطاب رؤوس الأموال، والتعريف بالمزايا التنافسية والفرص المتاحة في سلطنة عُمان، إلا أن تعدد الجهات التي تضطلع بأعمال التسويق والترويج، وتوزع هذه المهام بين مؤسسات ودوائر مختلفة، قد يؤدي إلى تشتت الرسالة الاستثمارية وتعدد قنوات التواصل مع المستثمر، وبالتالي فإنّ تسويق سلطنة عُمان استثماريًّا واقتصاديًّا في الأسواق المحلية والعالمية أصبح من أهم متطلبات المرحلة الحالية، في ظل تنامي المنافسة على الاستثمارات وتعدد الوجهات الاستثمارية إقليميًّا وعالميًّا.
اليوم، تتوزع أعمال التسويق والترويج بين عدد من الجهات والمؤسسات، بل إن بعض الجهات تضم أكثر من مسار أو منصة مرتبطة بالاستثمار والترويج، وفي تعدد الشعارات والهويات الترويجية المستخدمة في الخطاب الاقتصادي والاستثماري، ومن هنا تبرز الحاجة إلى تأسيس هيئة مستقلة للتسويق والترويج تتولى إعداد وتنفيذ استراتيجية وطنية موحدة للتسويق الاقتصادي والاستثماري، وتكون الجهة المتخصصة في تقديم صورة متكاملة عن سلطنة عُمان ومقوماتها الاستثمارية، والفرص في مختلف القطاعات.
أما الجهات الأخرى، فتتولى اختصاصاتها الأساسية، وتوفر للهيئة المعلومات والفرص والمشروعات التي تحتاج إلى الترويج، بدلًا من أن تضطلع كل جهة بأعمال تسويقية متشابهة، أو تطور أدوات وهوية ورسائل ترويجية بصورة منفصلة.
وقد يتطلب ذلك إعادة هيكلة دوائر وأقسام التسويق والترويج الموجودة في الجهات المختلفة، ونقل اختصاصاتها وأدواتها وكوادرها المتخصصة إلى الهيئة المقترحة، بما يحد من الازدواجية، ويوحد الجهود، ويحقق كفاءة أكبر في الإنفاق على الحملات والفعاليات والمشاركات الخارجية.
والفكرة هنا ليست إضافة جهة جديدة إلى منظومة الجهات القائمة، وإنما إعادة تنظيم وظيفة قائمة أصلًا وتوجيهها نحو جهة متخصصة تمتلك الأدوات والخبرات والموارد اللازمة للعمل على مستوى وطني.
وتقوم الهيئة المقترحة بدور المظلة الوطنية لأعمال التسويق والترويج، من خلال توحيد الرسائل التسويقية، وإعداد الحملات المحلية والدولية، والمشاركة في المعارض والملتقيات الاقتصادية، واستهداف الأسواق والشركات العالمية وفق خطط مدروسة، إلى جانب بناء قواعد بيانات متكاملة بالفرص الاستثمارية والقطاعات المستهدفة والمستثمرين المحتملين.
كما يمكن أن تتولى الهيئة إدارة الهوية الاستثمارية لسلطنة عُمان، بحيث تقدم السلطنة للمستثمر العالمي برسالة واضحة وموحدة، بدلًا من تعدد الرسائل والجهات وقنوات التواصل، مع التنسيق المباشر مع الجهات الحكومية والمؤسسات ذات العلاقة لتوفير المعلومات والبيانات والفرص التي تحتاجها الحملات الترويجية.
إنَّ إنشاء هذه الهيئة لإعادة تنظيم مهام التسويق والترويج ضمن جهة متخصصة، على أن تتولى تلك الجهات المختصة تقديم المعلومات والفرص والمشروعات التي تحتاجها الهيئة لتسويقها، بينما تُركّز هي على الوصول إلى المستثمرين والأسواق المستهدفة وتحويل الفرص إلى اهتمام استثماري فعلي.
ومن شأن هذا النموذج أن يحد من ازدواجية الإنفاق والجهود التسويقية، ويتيح بناء كوادر متخصصة في التسويق الاستثماري الدولي، وفهم الأسواق والمستثمرين، وإدارة الحملات، وتحليل البيانات، وقياس نتائج الترويج وفق مؤشرات واضحة، مثل عدد المستثمرين المستهدفين، والفرص التي تحولت إلى مشروعات، وحجم الاستثمارات الناتجة عن الحملات الترويجية.
إن هيئة التسويق والترويج يمكن أن تكون أداة عملية للانتقال من تعدد الجهود الترويجية إلى منظومة وطنية متكاملة، ومن الترويج للفرص بصورة منفردة إلى بناء علامة استثمارية عُمانية واضحة، قادرة على الوصول إلى المستثمر المناسب في السوق المناسب بالرسالة المناسبة.
وفي ظل المنافسة الإقليمية والعالمية على الاستثمارات، لم يعد التسويق والترويج نشاطًا مُكمِّلًا للعمل الاستثماري، بل أصبح صناعة قائمة بذاتها تحتاج إلى التخصص والاستمرارية والموارد والقياس. ولذلك فإنَّ توحيد هذه الجهود تحت مظلة هيئة متخصصة قد يمثل خطوة تنظيمية مهمة لتعزيز قدرة سلطنة عُمان على الوصول إلى الأسواق العالمية واستقطاب استثمارات نوعية تتوافق مع مستهدفات التنويع الاقتصادي.
محمود بن سعيد العوفي
كاتب صحفي اقتصادي