الثلاثاء 03 نوفمبر 2026 م - 23 جمادى الأولى 1448 هـ
أخبار عاجلة

في العمق : عضو المجلس البلدي فـي ظل متغيرات متسارعة وطموحات مجتمعية متعاظمة

في العمق : عضو المجلس البلدي فـي ظل متغيرات متسارعة وطموحات مجتمعية متعاظمة
الثلاثاء - 03 نوفمبر 2026 02:56 م

د.رجب بن علي العويسي

160

حدَّد المرسوم السلطاني رقم (38/2022) بتعديل بعض أحكام قانون المجالس البلدية، في المادة (21)، اختصاصات المجالس البلدية في نطاق المحافظات، وما تتضمنه من إبداء الرأي في وسائل استثمار موارد المحافظة لتحقيق التنمية المستدامة وخلق فرص العمل للمواطنين، وفرض الرسوم البلدية أو تعديلها أو إلغائها وطرق تحصيلها، والضوابط والمواصفات الخاصة باللوحات والإعلانات الدعائية، واللوائح المتعلقة بمراقبة الحيوانات الضالة والسائبة، وعمل سيارات الأجرة ووسائل النقل العام، وإدارة الأسواق والمقابر والمسالخ ومرادم النفايات، إلى جانب مشروعات خطط التنمية والمشروعات الإنمائية، وأداء فروع الوحدات الحكومية الخدمية، واحتياجات المحافظة من المرافق العامة والخدمات والمشروعات المرتبطة بها، وإقامة المهرجانات الثقافية والترفيهية والسياحي. وغيرها من المهام التي لا يسع الحديث لذكرها مفصلة.

وبشكل عام تفصح هذه الاختصاصات والمهام عن اتساع مساحة العمل البلدي وتنوع مجالاته، بما يجعل حضوره أصيلًا وفاعلًا من منظومة عمل المحافظات، وهو حضور الفعل والممارسة والإنجاز، أساسه الترابط والتناغم والتكامل مع مختلف القطاعات والحرص على تجويد المنظومات المجتمعية، وشريكًا في قراءة الواقع التنموي واحتياجاته بالمحافظة واستشراف الفرص الاستثمارية والتنموية الواعدة، ذلك أن طبيعة هذه المرحلة تقتضي أن تتماهى صلاحيات عضو المجلس البلدي مع رؤية المحافظة وتوجهاتها نحو التنوع والاستدامة والحوكمة والإنتاجية وصناعة الفرص، وأن تستوعب مستجدات التحول الرقمي والمؤسسي التنموي بالمحافظات، في إطار عمل جمعي متكامل، وسلوك مؤسسي متفاعل ينشد التجديد ويسعى إلى التطوير، ويمارس مسؤولياته وفق ما حددته القوانين واللوائح المنظمة لعمل المجالس البلدية.

وبالتالي فإن الذي يتبادر إلى الذهن في قراءة دور عضو المجلس البلدي اليوم لا يتعلق فقط بما يستطيع تقديمه للمجتمع، بل بما يمتلكه من ممكنات واستعدادات وقناعات، وإدراكه لطبيعة اختصاصاته، وقدرته على توظيفها في صناعة الفارق وتحقيق تحولات نوعية في مسار التنمية المستدامة، وامتلاكه الأدوات المهنية والأساليب الحكيمة، وقدرته على حسن توظيفها واستثمارها في الوقت والموقف والظرف الذي يعايشه وتتطلبه المرحلة، بما يضمن قدرته الفائقة على قراءة الواقع واستشرف المستقبل وفهم المعطيات ودراسة التحديات وتحليلها، وتقديم الرأي الموضوعي بشأنها، وطرح البدائل والسيناريوهات التي تعيد إنتاج الواقع التنموي بالمحافظة بصورة أكثر توازنًا وفاعلية.

ومع قناعاتنا بأن عضو المجلس البلدي ليس العصا السحرية في تحقيق أحلام المواطنين وطموحات الشباب، إلا أنه يمثل قوة ناعمة في إدارة الملف التنموي والسير به في خطى التنفيذ، بما يفترض أن يمتلكه من الفراسة والحدس التي تحافظ على مستوى التوازنات في آرائه، وقراراته وفي صياغة مقترحاته وفي التعبير عن أطروحاته والإجابة عن التساؤلات والمبررات التي عززت من رأيه من خلال الطرح المسؤول، والتشخيص الدقيق، والمتابعة الواعية، وتعزيز التكامل بين المؤسسات والمجتمع، دون تجاوز لاختصاصاته التي حددها القانون، أو تقديم وعود تتعدى حدود صلاحياته، كما لا يعني وجود المجلس البلدي إعفاء المؤسسات الحكومية من مسؤولياتها والقيام بمهامها، أو تشجيعها على التراخي في معالجة التحديات التي تواجه عملها، انتظارًا لما قد يرفعه المجلس البلدي من موضوعات أو مرئيات، ولا يعني كذلك أن يكون المجلس البلدي وصيًّا على المؤسسات أمام المجتمع؛ بل إن فلسفة العمل البلدي تقوم على تعزيز التكامل المؤسسي والشراكة المسؤولة التي يستشعر فيها الجميع دوره في تقديم خدمات جليلة للمواطنين، وتعظيم أثر وجود هذه المؤسسات والمجالس البلدية، وغيرها من منظومات الدولة بالمحافظات في تعزيز مسار التنمية وصناعة فرص اقتصادية تضمن تحقيق العيش الكريم والرخاء للمواطنين.

من هنا، تتحدد معادلة القوة والجاهزية في ممارسة هذا الدور، ونجاح المجالس البلدية في تحقيق أهدافها، والوفاء بمسؤولياتها، والتركيز على تحقيق أهداف الدعاية الانتخابية التي أصبحت خيوط اتصالهم مع المواطنين ومحطة التقائهم في البحث عن أفضل السبل لتقديم عمل نوعي مبتكر للمجلس البلدي، من خلال مسارين متكاملين؛ أولهما يرتبط بالناخب ودوره في إكساب المترشح الثقة التي يستحقها، وثانيهما يرتبط بالمترشح وإدراكه لمقتضيات المسؤولية المنتظرة منه. ذلك أن الناخب الواعي هو الذي ينطلق في اختياره من معايير الكفاءة والجدارة والنزاهة والقدرة على التواصل والمبادرة، وليس من الاعتبارات الشخصية أو المصالح الوقتية أو الوجاهة الاجتماعية أو الانتماءات القبلية. كما أن مسؤوليته تقتضي احترام حق الجميع في الترشح، وتقدير جهودهم، والابتعاد عن الممارسات القولية والفعلية التي تسيء إلى المترشحين أو المجتمع، أو تضع أصحابها أمام مسؤوليات قانونية.

عليه، فإن قدرة المجتمع على حسن اختيار عضو المجلس البلدي يمثل في جوهره تعبيرًا عن مستوى الوعي المجتمعي بمقتضيات المشاركة في التنمية، وإدراكًا لأهمية وجود شخصية قادرة على تمثيل احتياجات المحافظة، والتفاعل مع أولوياتها، والمساهمة في تعزيز مسارات اللامركزية والتمكين. لذلك ينبغي ألا يكون معيار الاختيار مرتبطًا بما يقدمه المترشح من وعود انتخابية أو ما يطرحه من مشروعات يكتشف بعد اختياره أنها قد لا تدخل في نطاق اختصاص المجلس، بل بما يمتلكه من كفاءة علمية ومهارات عملية واستعدادات شخصية، وما يظهره من قدرة على التواصل المستمر مع المواطنين، وفهم متطلبات واحتياجات الولايات، وتحويلها إلى مرئيات ومقترحات قابلة للنقاش والمعالجة المؤسسية.

أما المترشح، فإن مسؤوليته تبدأ من إدراك أن عضوية المجلس البلدي استحقاق وطني، وليست وجاهة اجتماعية أو فرصة لتحقيق حضور شخصي، وهي مسؤولية تفرض عليه مراجعة جذرية لذاته، وصقلًا لمهاراته، وإعادة صياغة لممارساته بما يتناسب مع طبيعة المرحلة وما تحمله من توجهات تنموية اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياحية واستثمارية. فالمترشح مطالب بأن يمتلك قدرًا من الحكمة والهدوء والموضوعية، وأن يتعامل مع القضايا المطروحة بمنهجية تقوم على الدراسة والتشخيص والتحليل والاستناد إلى الأدلة والشواهد، وترجيح الآراء وفق المعايير والأحكام المنظمة لعمل المجلس.

إن نجاح المجالس البلدية في إثبات بصمة حضورها في منجز التنمية بالمحافظات، ومشاركتها في صناعة القرار التنموي، وتوفير البدائل والخيارات التنموية عبر تعدد الآراء وتنوع وجهات النظر، وتقديم المرئيات حول المشروعات والخطط التنموية، سوف يضمن الوصول إلى الأولويات وتحقيق المستهدفات بكفاءة عالية، الأمر الذي سيكون له أثره الإيجابي في حجم المشاريع المنتجة المتحققة من هذا التلاحم المجتمعي والتلاقح الفكري والاحتواء المعرفي الذي يضمن للجميع حق المشتركة وإبداء الرأي، بما من شأنه أن يرفع من مستوى الوعي المجتمعي المتحقق بطبيعة هذه المجالس، وبمدى إدراك الناخب والمترشح معًا لحدود المسؤولية وتكامل الأدوار. فكلما كان الاختيار قائمًا على الكفاءة، وكان الأداء مستندًا إلى المهنية والموضوعية، تعززت فرص المجلس في الإسهام في تحقيق مستهدفات رؤية عُمان (2040)، وترسيخ حوكمة الأداء، وتعزيز اللامركزية، وتوسيع المشاركة المجتمعية في تطوير الخدمات بالمحافظات.

وعليه، فإن الرهان الحقيقي في المرحلة القادمة لا يتوقف عند حسم المنافسة الانتخابية أو الوصول إلى عضوية المجلس البلدي، بل يمتد إلى قدرة عضو المجلس البلدي المنتخب على أن يكون عند مستوى الثقة التي منحه إياها المجتمع، وأن يحول هذه الثقة إلى ممارسة مسؤولة، وحضور فاعل، وعطاء مستمر، وتواصل مؤسسي ومجتمعي يستوعب احتياجات المواطنين ويعزز جسور الشراكة مع مختلف قطاعات العمل والإنتاج بالمحافظة. لذلك عليه أن يتعامل بحكمة واتزان مع نتائج المنافسة وردود الفعل المصاحبة لها، وأن يدرك أن خدمة المجتمع تظل غاية مشتركة لا تنتهي بانتهاء العملية الانتخابية، ولا تنحصر بمن فاز بعضوية المجلس.

أخيرًا، فإن فلسفة عمل المجالس البلدية وفق نظام المحافظات ومتغيرات المرحلة وطموحات المجتمع المتعاظمة، وحجم وعمق الأسئلة التي يطرحها المواطنون حول فاعلية المجالس البلدية ومستوى حضورها في الفعل التنموي بالمحافظة، وموقع عضو المجلس في الممارسة والقرار التنموي، تتجه نحو تأسيس نموذج متقدم للمشاركة المجتمعية الواعية، تكون فيه عضوية المجلس مسؤولية وطنية تتطلب الكفاءة والنزاهة والجدارة والقدرة على استيعاب التحولات، ذلك أن عضو المجلس البلدي المنتظر ليس من يعد المجتمع بما يتجاوز صلاحياته، بل من يحسن قراءة واقعه، ويستوعب أولوياته، ويقدم الرأي المسؤول، ويعزز التكامل المؤسسي، ويمتلك أدوات التأثير الإيجابي في مسارات التنمية. إذ من خلال هذه الممكنات والتنوع في الأدوات يستطيع أن يحوّل الثقة المجتمعية إلى قيمة مضافة ومنجز تنموي، وعندها تصبح المجالس البلدية بيوت خبرة ممتدة لبناء القدرة واحتواء الكفاءة وإنتاج الحلول ورسم السيناريوهات التنموية، ومحطة استشرافية لإعادة إنتاج الواقع التنموي من رحم التحديات والظروف والفرص، في ظل ضمير المسؤولية وكفاءة أداء المهمة.

د.رجب بن علي العويسي

[email protected]