الثلاثاء 03 نوفمبر 2026 م - 23 جمادى الأولى 1448 هـ
أخبار عاجلة

أضواء كاشفة : معركة الوعي فـي العصر الرقمي

أضواء كاشفة : معركة الوعي فـي العصر الرقمي
الثلاثاء - 03 نوفمبر 2026 02:54 م

ناصر بن سالم اليحمدي

10

التحدي الذي تواجهه المجتمعات في عصرنا الحالي لم يعد مرتبطًا بمدى قدرتها على مواكبة التطور التكنولوجي أو توفير أدوات الاتصال الحديثة، بقدر ما أصبح مرتبطًا بقدرتها على إعداد إنسان يمتلك الوعي الكافي للتعامل مع هذا التحول، ويفهم ما يدور حوله، ويميز بين المعرفة الحقيقية والمعلومات المضللة، ويستطيع المحافظة على هويته واستقلالية تفكيره وسط عالم تتداخل فيه الحقائق بالانطباعات، وتتزاحم فيه الرسائل والمضامين التي تستهدف تشكيل العقول وتوجيه السلوك.

لقد أصبح العالم الرقمي جزءًا لا يتجزأ من تفاصيل الحياة اليومية، ولم تعد تأثيراته محصورة في حدود الترفيه أو الحصول على المعلومات، وإنما امتدت إلى تشكيل القناعات وتوجيه الاهتمامات والتأثير في العلاقات الاجتماعية، وإعادة صياغة أنماط التفكير لدى الأطفال والشباب والكبار على حد سواء. وفي ظل هذا الواقع لم يعد السؤال الأهم هو: كم من الوقت نقضيه أمام الشاشات، بل: ماذا نفعل بهذا الوقت، وما الذي نكتسبه من المعرفة، وكيف تنعكس المضامين التي نتعرض لها على وعينا وشخصيتنا وسلوكنا؟

لا شك أن خطورة التحول الرقمي تكمن في أن الإنسان قد يجد نفسه محاطًا بكم هائل من المعلومات والمحتويات دون أن يمتلك بالضرورة الأدوات التي تمكنه من تقييمها أو إدراك أهدافها أو التحقق من مصادرها. فالتقنيات الحديثة، بما فيها تطبيقات الذكاء الاصطناعي، أتاحت إمكانات غير مسبوقة لإنتاج الصور والأصوات والنصوص، وأصبح من الممكن تقديم مواد مصطنعة في قوالب تبدو واقعية، الأمر الذي يجعل التمييز بين الحقيقة والتزييف مسؤولية تتطلب معرفة ومهارات لا يمكن اكتسابها بمجرد الاستخدام المتكرر للأجهزة والمنصات.

ومن هنا تبرز أهمية الانتقال من مفهوم الاستخدام الآمن للتكنولوجيا إلى مفهوم أوسع يتمثل في بناء المناعة الفكرية والرقمية. فالمطلوب ليس أن نعلم أبناءنا ما ينبغي مشاهدته وما يجب تجنبه فحسب، وإنما أن نمنحهم القدرة على التساؤل والتحليل والمقارنة والتحقق، وأن نربي لديهم الشجاعة على رفض المحتوى الذي يتعارض مع القيم الإنسانية والأخلاقية، حتى عندما يكون منتشرًا أو يحظى بقبول واسع بين أقرانهم. وهذه المهمة تبدأ من الأسرة التي لا يجب أن تكتفي بمنع الأجهزة أو تحديد ساعات استخدامها، بل ينبغي عليها فتح قنوات الحوار مع أبنائها لكي تضمن بناء الوعي الذي يحتاج إليه الطفل عندما يتعامل مع العالم الرقمي بعيدًا عن رقابتها. كما أن القدوة الأسرية تظل عنصرًا أساسيًّا، إذ يصعب مطالبة الأبناء بالاستخدام المتوازن للتكنولوجيا بينما ينشغل الآباء أنفسهم بالأجهزة على حساب التواصل والحوار والاهتمام بالتفاصيل اليومية لأبنائهم.

أما المدرسة فتتحمل بدورها مسؤولية تتجاوز تقديم المعرفة الأكاديمية لتشمل إعداد الطالب للتعامل مع عالم تتغير فيه مصادر المعرفة ووسائل التأثير باستمرار. فلم يعد كافيًا أن يتعلم الطالب استخدام الأدوات الرقمية، بل ينبغي أن يتعلم كيف يتحقق من المعلومات، ويفهم حقوقه وواجباته في الفضاء الإلكتروني، ويحترم خصوصية الآخرين، ويدرك أن ما ينشره أو يشاركه قد تترتب عليه آثار اجتماعية وأخلاقية وقانونية.

لا شك أن بناء الإنسان الواعي لا يتحقق بالتوجيه والمنع وحدهما، فثمة جانب آخر لا يقل أهمية يتمثل في نوعية المحتوى الذي نقدمه للأجيال. إذ لا يمكن أن نطالب الطفل والشاب بالابتعاد عن محتويات لا تناسب قيم المجتمع وخصوصيته الثقافية دون أن نوفر لهما بدائل جذابة تمتلك القدرة على المنافسة والإقناع. ومن هنا تظهر أهمية الاستثمار في صناعة المحتوى المحلي، وتطوير الأعمال الإبداعية والقصص والألعاب والبرامج التي تقدم الثقافة الوطنية بلغة العصر وتخاطب اهتمامات الأجيال الجديدة، دون الوقوع في النمطية أو الوعظ المباشر. فالهوية الوطنية لا تصان بمجرد تكرار الحديث عن الماضي، وإنما بقدرتنا على جعل هذا الماضي حاضرًا في وعي الأجيال، وربطه بإبداعات الحاضر وتطلعات المستقبل. كما أن الاعتزاز بالهوية لا يعني الانغلاق أمام الثقافات الأخرى، بل يعني امتلاك الثقة والمعرفة اللتين تمكنان الإنسان من الانفتاح والتفاعل دون فقدان خصوصيته أو التخلي عن ثوابته.

وهنا أمام سلطنة عُمان فرصة مهمة للاستفادة من رصيدها الحضاري والثقافي ومن تنوع موروثها التاريخي والاجتماعي في بناء حضور رقمي يعبر عن هويتها ويقدمها للأجيال الجديدة وللعالم بأساليب إبداعية حديثة. ولا ينبغي أن يقتصر هذا الدور على المؤسسات الإعلامية والثقافية، بل يمكن أن يمتد إلى الجامعات والمدارس والمبدعين والشركات الناشئة، بما يفتح المجال أمام صناعة وطنية للمحتوى تجمع بين الأصالة والابتكار، وتستفيد من التقنيات الحديثة في التوثيق والإنتاج والنشر.

لكن المسؤولية لا تقع على الأسرة والمدرسة وصناع المحتوى وحدهم، فثمة مسؤولية مؤسسية وتنظيمية تتطلب تنسيقًا مستمرًّا بين الجهات المعنية، وتطوير الأطر التي تحمي الأطفال والناشئة من الاستغلال والتنمر والابتزاز والمحتوى الضار، وتضمن احترام الخصوصية، وتوفر آليات واضحة للإبلاغ والتعامل مع التجاوزات. لذلك يجب أن تكون التشريعات والسياسات التنظيمية مواكبة للتحولات التقنية، دون أن تتحول الحماية إلى قيود تعطل فرص التعلم والإبداع والاستفادة من التكنولوجيا. فالمطلوب هو إيجاد توازن يحفظ الحقوق، ويحدد المسؤوليات، ويعزز الشفافية والمساءلة، ويمنح المجتمع أدوات عملية للتعامل مع المخاطر المستجدة.

وفي ظل التوجهات التنموية التي تتبناها سلطنة عُمان في إطار رؤية «عُمان 2040»، فإن الاستثمار في الإنسان ينبغي أن يظل محورًا رئيسيًّا في التعامل مع التحولات الرقمية، ليس فقط من خلال تأهيل الكفاءات التقنية، وإنما عبر إعداد أجيال تمتلك المعرفة والقدرة على الابتكار والمسؤولية في اتخاذ القرار، وتعتز بهويتها وتدرك موقعها في عالم سريع التغير.

إن معركة المستقبل ليست مع التكنولوجيا، بل مع الجهل بكيفية التعامل معها، وفي امتلاك الوعي الذي يجعلنا نختار ما ندخله إلى عقولنا ومجتمعاتنا. ومن ثم فإن أعظم ما يمكن أن نقدمه لأجيالنا: عقل قادر على التفكير، وشخصية قادرة على الاختيار، وهوية واثقة من ذاتها، وإنسان يعرف كيف يستفيد من العالم دون أن يفقد بوصلته.

ناصر بن سالم اليحمدي

كاتب عماني