يرى أكاديميون أن الثماني والعشرين اتفاقية التي وقعتها الهيئة العامة للمناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة مؤخرًا بقيمة إجمالية تزيد عن (304) ملايين ريال عُماني، بأنها استلهام لمستهدفات رؤية «عُمان 2040» التي تعد الموجه الاسترشادي لعمليات التنمية الاقتصادية التي تشهدها سلطنة عُمان. كما أنها في تقديرهم تجسيد عملي لتطبيقات عدد من النظريات الاقتصادية الحديثة.
تبلورت تلك القراءة لهذه الاتفاقيات من خلال ما تحويه من تنوع كونها شملت مشروعات جديدة وتوسعات استثمارية على مساحة تزيد على كيلومترين مربعين، موزعة على المناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة والمدن الصناعية في عدد من محافظات سلطنة عُمان لإنشاء مشروعات وأنشطة يرجى منها أن تحقق قدرًا أوسع من القيمة المضافة، والتكامل بين القطاعات الاقتصادية بما سيقود إلى تعزيز حضور المنتجات ذات المنشأ العُماني في الأسواق الإقليمية والعالمية.
وفيما تعد الاستثمارات التي تضمنتها الاتفاقيات الثماني والعشرون بأنها ترجمة عملية لمستهدفات رؤية «عُمان 2040» التي تولي التنويع الاقتصادي والاستدامة المالية أولوية مهمة لأجل بناء اقتصاد متنوع وتنافسي قائم على الإنتاجية والمعرفة والابتكار، وتمكين القطاع الخاص وتعزيز دوره في قيادة النشاط الاقتصادي، واستقطاب الاستثمارات النوعية وغيرها من المستهدفات، فهي أيضًا تثير القريحة العلمية للأكاديميين لاستقراء علاقتها بعدد من النظريات الاقتصادية الحديثة.
فمن منظور النظريات الاقتصادية، فإن هذه الاستثمارات تذكر الأكاديميين بفحوى «نظرية الميزة النسبية» التي وضع أسسها الاقتصادي البريطاني ديفيد ريكاردو، وهي نظرية رائدة تؤكد أهمية توظيف الموارد والمقومات الجغرافية، والبنية الأساسية في الأنشطة التي تحقق للدول عائدًا اقتصاديًّا وتنافسيًّا أكبر، حيث تمتلك سلطنة عُمان في هذا الجانب مزايا مهمة أبرزها موقعها الاستراتيجي واتصال موانئها بالأسواق الإقليمية والعالمية، مما يعزز فرص المناطق الاقتصادية العُمانية في استقطاب الصناعات الموجهة للتصدير، وتحويل الموقع الجغرافي من ميزة طبيعية إلى ميزة إنتاجية وتجارية.
كما تقود هذه الاتفاقيات الأكاديميين إلى استدعاء «نظرية التجمعات الصناعية» التي تعود جذورها إلى إسهامات الاقتصادي البريطاني ألفريد مارشال وطوّر مفهومها الحديث الاقتصادي الأميركي مايكل بورتر، وهي نظرية تفسر الدور الذي تؤديه المدن الصناعية والمناطق المتخصصة.
وترى هذه النظرية أن تجاور المنشآت العاملة في أنشطة مترابطة يتيح فرصًا لتكامل الإنتاج، وخفض تكاليف التشغيل، وتطوير سلاسل الإمداد، وتعزيز الابتكار، في حين يتضح فحوى تجسيد هذه النظرية من خلال ما تضمنته هذه الاتفاقيات من مشروعات استثمارية في المدن الصناعية التي تشغلها المؤسسة العامة للمناطق الصناعية «مدائن» بنحو (147,6) مليون ريال عُماني مرتبطة بالصناعات الحديدية والفولاذية وصناعة السيراميك والأسمدة العضوية والبيولوجية والفوسفاتية والنيتروجينية والمنتجات المعدنية الإنشائية وصناعة الورق المقوى المموج وغيرها، حيث تهيئ هذه الأنشطة فرصًا لنشوء صناعات مساندة، وتوسيع قاعدة الموردين المحليين، وتعزيز مساهمة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وبالنتيجة الإسهام في رفع قيمة المحلية المضافة.
وفي السياق ذاته، تعيد هذه المشروعات تسليط الضوء على مرتكزات «نظرية النمو الاقتصادي الداخلي» التي ارتبط تطورها بإسهامات الاقتصاديين الأميركيين بول رومر وروبرت لوكاس، والتي تؤكد أن استدامة النمو الاقتصادي لا تعتمد على تراكم رأس المال المادي وحده، بل ترتبط أيضًا بتطوير رأس المال البشري، ونقل التكنولوجيا والمعرفة، وتحفيز الابتكار، حيث يبدو ذلك واضحًا عبر ما تتضمنه تلك الاتفاقيات من عدد من المشروعات ترتكز بشكل أساسي على توطين التكنولوجيا بما سيسهم في صقل مهارات القوى العاملة الوطنية.
ومن الجوانب المهمة أيضًا في قراءة هذه الاتفاقيات هو ما تضمنته من توزيع للمشروعات بين صحار والدقم وصلالة وخزائن والمدن الصناعية بعدد من المحافظات مما يعكس ارتباط هذه الاستثمارات بأولوية تنمية المحافظات والمدن المستدامة؛ إذ يبدو ذلك واضحًا في قيمة اتفاقيات المنطقة الحرة بصحار البالغة (58,5) مليون ريال عُماني، ومشروعات بالمنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم بلغت (55,08) مليون ريال عُماني، وبالمنطقة الحرة بصلالة بلغت (32,95) مليون ريال عُماني، فيما حظيت مدينة خزائن الاقتصادية بمشروعات بأكثر من (10,4) مليون ريال عُماني.
وعليه، فإن النجاح المتوقع للمناطق الاقتصادية الخاصة والمدن الصناعية في تحويل استثمارات تلك الاتفاقيات إلى إنتاج ونقل تكنولوجيا وفرص عمل وصادرات سيقود إلى جذب المزيد من الاستثمارات مما سيرسخ مكانة سلطنة عُمان كوجهةٍ جاذبةٍ للاستثمارات النوعية والمستدامة.
طارق أشقر
من أسرة تحرير «الوطن»