الأحد 01 نوفمبر 2026 م - 21 جمادى الأولى 1448 هـ
أخبار عاجلة

التحديات اليومية لمرضى السرطان: حين يصبح المرض معركة داخل العمل وخارجه

التحديات اليومية لمرضى السرطان: حين يصبح المرض معركة داخل العمل وخارجه
الأحد - 01 نوفمبر 2026 02:54 م

د. طه بن محسن اللواتي

لم يَعُد السرطان مجرَّد تحدٍّ صحي يواجه المريض في رحلة العلاج، بل قد تتحول الإصابة به إلى سلسلة من التحدِّيات النفسيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة، لا سِيَّما عندما يجد المريض نفسه مضطرًّا إلى مواجهة ضغوط العمل، إلى جانب أعباء المرض ومتطلبات العلاج. وبينما تتقدم العلوم الطبيَّة في التشخيص والعلاج، يظلُّ السؤال قائمًا: هل تواكب بيئة العمل هذه التطورات بما يكفي من التفهم والمرونة والإنسانيَّة؟

تُشير الإحصاءات إلى تزايد أعداد حالات السرطان، وهو أمر يثير القلق لدى كثيرين. غير أن هذه الزيادة ينبغي أن تُقرأ في سياقها العلمي والصحي؛ فالسرطان، شأنه شأن أمراض مزمنة أخرى، أصبح أكثر حضورًا مع ارتفاع متوسط العمر المتوقع، وتطوُّر وسائل التشخيص، وتحسُّن القدرة على اكتشاف الحالات التي لم يكن من السهل تشخيصها في السابق. ولا يعني تزايد الحالات المسجَّلة بالضرورة أن معدَّلات الإصابة ترتفع بالوتيرة نفسها في جميع المُجتمعات، إذ تتداخل في تفسير هذه الأرقام عوامل عدَّة، من بينها التركيبة السكانيَّة ومستوى الوعي الصحي وكفاءة برامج الكشف المبكر.

أمَّا في سلطنة عُمان، فتُشير البيانات التي تناولتها دراسات سابقة إلى أن معدَّلات الإصابة بالسرطان لا تزال أقل من المعدَّلات المسجَّلة في العديد من دول العالم، مع أهميَّة قراءة هذه المقارنات في ضوء اختلاف التركيبة السكانيَّة ومعدَّلات الإصابة بين البلدان. وخلال السنوات الخمس عشرة الماضية، شهدت السلطنة تحسُّنًا ملحوظًا في اكتشاف عدد أكبر من الحالات في مراحل مبكرة، الأمر الذي يتيح فرصًا أفضل للعلاج ويرفع احتمالات تحقيق نتائج إيجابيَّة.

وفي هذا السياق، تناولت دراسة أعددناها مع الدكتور باسم البحراني وزملائه، برعاية الجمعيَّة العُمانيَّة للسرطان، من المركز الوطني للأورام ونُشرت في مجلة متخصِّصة في السرطان بمنطقة الخليج، على مرحلتين الفرق بينهما أكثر من (١٠) سنوات، تطوُّرات تشخيص سرطان الثدي، مشيرةً إلى ارتفاع نسبة الاكتشاف المبكر من نحو (25%) إلى (75%)، وفقًا لما أورده الباحثون. ويعكس هذا التطوُّر أهميَّة التوعية والفحص المبكر، وما يمكن أن يحققَه الاستثمار فيهما من أثَر إيجابي في حياة المرضى.

كم تستغرق رحلة علاج السرطان؟ وما الذي يواجهه المريض خلالها؟

هذا من أكثر الأسئلة التي يطرحها المرضى وأُسرهم. والحقيقة أن علاج السرطان ليس إجراءً واحدًا ينتهي خلال أيَّام، بل قد يكون رحلة علاجيَّة تمتدُّ أشْهُرًا، وأحيانًا سنةً أو أكثر، بحسب نوع الورم ومرحلته وخصائصه البيولوجيَّة والخطَّة العلاجيَّة التي يحدِّدها الفريق الطبي.

فقد يحتاج المريض إلى تدخلٍ جراحيٍّ، يعقبه التعافي خلال فترة تختلف من شخص إلى آخر. وقد تستدعي الخطَّة العلاجيَّة علاجًا كيميائيًّا يمتدُّ لعدَّة أشهر، تتخلله جلسات تفصل بينها فترات محدَّدة للتعافي ومتابعة الاستجابة. وقد يحتاج بعض المرضى إلى علاج مناعي قد يمتدُّ لنحو عام، أو إلى علاج إشعاعي يستمرُّ عدَّة أسابيع، بحسب الحالة والبروتوكول العلاجي المعتمد. وفي بعض الحالات، تتداخل هذه العلاجات أو تتعاقب وفق متطلبات الخطَّة العلاجيَّة.

لكنَّ السؤال الأهم ليس فقط: كم تستغرق رحلة العلاج؟ بل: هل يحتاج المريض إلى التوقف عن العمل طوال هذه المُدَّة؟

الإجابة أن الاحتياجات تختلف من مريض إلى آخر. فبعض المرضى يستطيعون مواصلة أعمالهم خلال أجزاء من رحلة العلاج، فيما يحتاج آخرون إلى إجازات أو ساعات عمل مرنة أو فترات راحة إضافيَّة، تبعًا لطبيعة العلاج وآثاره الجانبيَّة وطبيعة الوظيفة التي يؤدونها. ومن هنا، تبرز أهميَّة تفهُّم جهات العمل لظروف المرضى، وإتاحة خيارات عمليَّة، مثل العمل عن بُعد متى كانت طبيعة الوظيفة تسمح بذلك، أو تعديل ساعات العمل، أو تنظيم الإجازات بما يَضْمن للمريض متابعة علاجه دون أن يفقد مصدر رزقه واستقراره الوظيفي. كما أن طبيعة وقدرة الجسديَّة والنفسيَّة للمريض لها دَوْر كبير بالموضوع.

فالمعاناة التي يعيشها مريض السرطان لا تقتصر على الألم الجسدي والإرهاق الناتج عن العلاج؛ بل تمتدُّ إلى القلق بشأن المستقبل، وتكاليف العلاج، ومسؤوليَّات الأُسرة، والخوف من فقدان الوظيفة والدخل. وعندما تضاف إلى هذه الأعباء ضغوط مهنيَّة أو تهديدات وظيفيَّة، يصبح المريض أمام معركة أخرى لم يكن ينبغي أن يخوضَها.

حين يتحول مكان العمل إلى مصدر للقلق

من أكثر التحدِّيات إيلامًا التي قد يواجهها بعض مرضى السرطان ما يتعرضون له من تضييق في بيئة العمل، أو تهديد بقطع الراتب، أو حتى إنهاء الخدمة بسبب الغياب المرتبط بالعلاج. وهذه ليست مجرَّد مواقف إداريَّة عابرة؛ فبالنسبة إلى المريض، قد تعني فقدان مصدر الأمان المالي في الوقت الذي يكون فيه بأمسِّ الحاجة إليه.

وقد شهدت بنفسي، كما شهدت الجمعيَّة العُمانيَّة للسرطان، حالات استدعت التدخل للمساعدة في إعادة موظفات مصابات بالسرطان إلى أعمالهنَّ بعد إنهاء خدماتهنَّ بسبب المرض والغياب المرتبط بالعلاج. ومثل هذه الحالات تستدعي وقفةً جادَّةً ومراجعةً للآليَّات المتَّبعة في التعامل مع الموظفين الذين يمرُّون بظروف صحيَّة استثنائيَّة.

إنَّ المرض ليس اختيارًا، والعلاج ليس ترفًا، والغياب الذي تفرضه الضرورة الطبيَّة لا ينبغي التعامل معه بمنطق واحد، بمعزل عن ظروف المريض والأنظمة المنظِّمة للعمل. ولا يعني ذلك إغفال اللوائح والقوانين أو تعطيل مصالح المؤسَّسات، وإنَّما يعني تطبيقها بروح من العدالة والمرونة، وبما يراعي الظروف الإنسانيَّة والصحيَّة التي قد يمرُّ بها الموظف.

إنَّنا جميعًا معرضون للمرض، ولا أحد يَضْمن لنفسه أو لأُسرته دوام الصحَّة والعافية. ولذلك، فإنَّ الرحمة والتعاطف والتضامن ليست مجرَّد قِيَم أخلاقيَّة جميلة، بل هي أساس لمُجتمع متماسك يدرك أن الإنسان قد يحتاج ـ في لحظة من حياته ـ إلى الدَّعم نفسه الذي يقدِّمه اليوم للآخرين.

وقد حثَّنا دِيننا الحنيف على التراحم والتكافل، وجاء في الحديث الشريف: «مَثَل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسَّهر والحمَّى». فأين نحن من هذه المعاني حين يجد مريض السرطان نفسه مضطرًّا إلى الدفاع عن حقِّه في العلاج والعمل في آنٍ واحدٍ؟

هل تتعارض مصلحة الموظف مع مصلحة المؤسَّسة؟

لا شك أن الإدارات العُليا تتحمل مسؤوليَّة الحفاظ على سَير العمل وتحقيق أهداف المؤسَّسات، وأن انتظام الأداء والالتزام بالأنظمة أمران أساسيَّان. لكن من الضروري أن نتذكرَ أن المؤسَّسات لا تعمل من تلقاء نفسها؛ بل يقوم عليها موظفون يُمثِّلون رأس مالها البشري، وهم أساس استمراريَّتها وقدرتها على الإنجاز.

وعندما يواجه الموظف مرضًا خطيرًا، فإن التعامل معه بمرونة وتفهُّم قد يساعده على مواصلة عطائه، ويحافظ على خبراته ومهاراته، ويُعزِّز انتماءه للمؤسَّسة. أمَّا دفعه إلى القلق المستمر بشأن راتبه أو وظيفته، في وقت ينشغل فيه بعلاجه واستعادة عافيته، فقد يفاقم معاناته ويؤثِّر في قدرته على التركيز والعمل.

إنَّ المسؤوليَّة الإداريَّة الحقيقيَّة لا تُقاس فقط بمدى تطبيق اللوائح حرفيًّا، بل أيضًا بالقدرة على التعامل مع الظروف الاستثنائيَّة بحكمة وعدالة، ضِمن الأُطر القانونيَّة المعمول بها. فمصلحة العمل ومصلحة الموظف ليستا بالضرورة طرفين متعارضين؛ بل يمكن تحقيق التوازن بينهما من خلال سياسات واضحة ومرنة، وإدارة تدرك أن الحفاظ على الإنسان جزء أصيل من الحفاظ على المؤسَّسة.

ومن المُهمِّ هنا التأكيد على أن الدَّعم النفسي والاجتماعي، وتخفيف الضغوط غير الضروريَّة، قد يساعدان المريض على التكيُّف مع المرض والالتزام بالخطَّة العلاجيَّة. أمَّا التأكيد على أن الضغوط النفسيَّة أو الاكتئاب يؤدِّيان حتمًا إلى ضعف المناعة أو فشل العلاج، فليس دقيقًا من الناحية العلميَّة؛ إذ تتأثر نتائج العلاج بعوامل طبيَّة مُتعدِّدة، ولا يجوز تحميل المريض مسؤوليَّة مسار مرضه بسبب حالته النفسيَّة. ومع ذلك، فإن حماية المريض من الضغوط التي يمكن تجنُّبها تظلُّ مسؤوليَّة إنسانيَّة ومُجتمعيَّة مهِمَّة.

وهنا أوجِّه سؤالًا إلى كل مسؤول يتعامل بقسوة مع موظف أو موظفة أُصيبا بالسرطان: هل وضعت نفسك يومًا مكان هذا الإنسان؟ وهل فكرت في حجم الخوف الذي يعيشه وهو يحاول التوفيق بين جلسات العلاج ومتطلبات أُسرته والتزاماته الماليَّة، ثم يجد نفسه مضطرًّا إلى القلق بشأن وظيفته أيضًا؟ وهل يمكن لمؤسَّسة أن تتحدثَ عن المسؤوليَّة المُجتمعيَّة، فيما يعجز أحد موظفيها عن الحصول على قدر معقول من التفهُّم في أشد مراحل حياته صعوبة؟

ما الذي نحتاج إليه اليوم؟

إنَّ دعم مرضى السرطان في بيئة العمل لا ينبغي أن يظلَّ مبادرات فرديَّة أو اجتهادات تعتمد على شخصيَّة المسؤول المباشر؛ بل يجب أن يكونَ جزءًا من سياسات مؤسَّسيَّة واضحة وعادلة. ويمكن أن يبدأَ ذلك بمراجعة الإجراءات المتعلقة بالإجازات والغياب الطبِّي، وتعزيز المرونة في ساعات العمل، وإتاحة العمل عن بُعد عندما تسمح طبيعة الوظيفة بذلك، وتوفير مسارات واضحة للتظلم والتعامل مع الحالات الصحيَّة الاستثنائيَّة.

كما تبرز الحاجة إلى تعزيز الوعي لدى القيادات الإداريَّة والموارد البشريَّة بشأن التحدِّيات التي يواجهها مرضى السرطان، وتوضيح سُبل دعمهم دون الإخلال بمتطلبات العمل أو تجاوز الأنظمة القانونيَّة. ومن المُهمِّ كذلك تعزيز التعاون بين المؤسَّسات الحكوميَّة والخاصة والجمعيَّات الأهليَّة، بما يُسهم في توفير الدعم النفسي والاجتماعي، وتوجيه المرضى وأُسرهم إلى الخدمات والموارد المتاحة.

وقد تتطلب هذه الجهود مراجعة بعض السياسات والإجراءات، وتطوير آليَّات عمليَّة تراعي الاختلاف بين الوظائف والظروف الصحيَّة، وتُحقِّق التوازن بين استمراريَّة العمل وحقِّ المريض في الحصول على العلاج والرعاية اللازمة. فالمطلوب ليس إعفاءً مطلقًا من المسؤوليَّات، بل حلولٌ عادلةٌ تتيح للمريض أن يواصلَ حياته وعمله قدر الإمكان، دون أن يُعاقبَ على مرض لم يختره.

إنَّ التقدُّم في مكافحة السرطان لا يُقاس بالتطوُّر الطبِّي وحده، بل أيضًا بقدرتنا على توفير بيئة اجتماعيَّة ومهنيَّة تحمي كرامة المريض، وتصون حقوقه، وتخفِّف عنه الأعباء التي يمكن تجنُّبها. فالكشف المبكر والعلاج المتقدم قد يمنحان المريض فرصة أفضل للشفاء، لكن الدَّعم الإنساني هو ما يساعده على عبور رحلة العلاج بقدر أكبر من الطمأنينة والاستقرار.

وأخيرًا، فإن دعم مرضى السرطان مسؤوليَّة مشتركة تتطلب تكاتف المؤسَّسات الحكوميَّة والخاصَّة ومؤسَّسات المُجتمع المدني، وتعاون المسؤولين وأصحاب العمل والأفراد. فالسرطان قد يصيب أيًّا منَّا أو أحد أفراد أُسرته، وعندها سندرك أن الرحمة ليست استثناءً إداريًّا، بل قِيمة إنسانيَّة ينبغي أن تحكمَ تعاملنا مع بعضنا بعضًا.

فلنجعل من التضامن مع مرضى السرطان ممارسةً حقيقيَّة، لا مجرَّد شعار، ولْنَعمل معًا من أجْلِ بيئة عمل أكثر إنصافًا ورحمةً، تحفظ للإنسان كرامته في أصعب مراحل حياته.

نسأل الله أن يمنَّ على مرضى السرطان بالشفاء والعافية، وأن يجعلَ كل جهد صادق في دعمهم ومساندتهم في ميزان حسنات أصحابه.

د. طه بن محسن اللواتي

استشاري أول جراحة أورام وترميم الثدي، وعضو مجلس إدارة الجمعية العُمانية للسرطان