الأحد 01 نوفمبر 2026 م - 21 جمادى الأولى 1448 هـ
أخبار عاجلة

في العمق : يوم الزراعة العُماني وأولوية تعظيم مسارات التمكين والحوافز والتراخيص الزراعية للمواطن

في العمق : يوم الزراعة العُماني وأولوية تعظيم مسارات التمكين والحوافز والتراخيص الزراعية للمواطن
السبت - 31 أكتوبر 2026 02:55 م

د.رجب بن علي العويسي

10

تحتفل سلطنة عُمان بيوم الزِّراعة الَّذي يُوافق الحادي والثَّلاثين من أكتوبر، في ظلِّ مؤشِّرات إيجابيَّة تعكس تنامي الإنتاج الزِّراعي واتِّساع الرُّقعة المزروعة، بما يُعزِّز أهميَّة هذا القِطاع في منظومة الأمن الغذائي والتَّنويع الاقتصادي. فقدِ ارتفع إجمالي إنتاج المحاصيل الزِّراعيَّة من نحو (3.685) مليون طن عام (2023) إلى (3.935) مليون طن عام (2024)، وصولًا إلى نحو (4.086) مليون طن عام (2025)، فيما زادت المساحة المزروعة من (293) ألف فدَّان عام (2023) إلى نحو (325.5) ألف فدَّان عام (2025). وتُؤكِّد هذه المؤشِّرات استمرار نُمو الإنتاج الزِّراعي واتِّساع قاعدته.

وفي عام (2024)، ارتفعت القِيمة المضافة للأنشطة الزِّراعيَّة بالأسعار الجارية إلى (623) مليون ريال عُماني، مقارنةً بـ(569) مليون ريال عام (2023)، محقِّقةً نُموًّا بنحو (9.5%)، فيما بلغت بالأسعار الثَّابتة (573) مليون ريال، مقابل (549) مليون ريال في العام السَّابق. وعلى مستوى المحاصيل، سجَّل إنتاج الخضراوات نحو (1.436) مليون طن عام (2024)، وارتفع إلى نحو (1.532) مليون طن عام (2025)، بما يعكس أهميَّة توجيه الاستثمارات نحو المنتجات الغذائيَّة ذات الصِّلة المباشرة بالاستهلاك المحلِّي. كما بلغت نسبة الاكتفاء الذَّاتي من التُّمور (99%) عام (2024)، في حين وصلت نسبة الاكتفاء من الخضراوات إلى نحو (79%).

ورغم هذه المؤشِّرات، فإنَّ التَّحدِّي لا يقف عند زيادة حجم الإنتاج أو اتِّساع المساحة المزروعة، بل يمتدُّ إلى تعظيم القِيمة الاقتصاديَّة للقِطاع، ورفع مساهمته في النَّاتج المحلِّي الإجمالي، وتحسين كفاءة استغلال الموارد، وتعزيز قدرة المزارع والمستثمر العُماني على الاستمرار والمنافسة. ومن هنا، فإنَّ الاحتفاء بيوم الزِّراعة ينبغي أن يُمثِّلَ مدخلًا لمراجعة السِّياسات الزِّراعيَّة، وتطوير منظومة الحوافز والتَّراخيص، وإيجاد بيئات استثماريَّة أكثر مرونةً واستدامة، تتواءم مع مستهدفات رؤية «عُمان 2040»، وتمنح المواطن دَوْرًا محوريًّا في بناء منظومة الأمن الغذائي.

إنَّ من بين الأولويَّات الَّتي تستدعي الاهتمام بتطوير مسارات التَّمكين المالي واللوجستي للمزارع العُماني، عبر تسهيل حصوله على التَّمويل الميسَّر، وتوفير الدَّعم اللازم لتأهيل الأراضي، وشراء المعدَّات والميكنة الزِّراعيَّة، وتركيب أنظمة الرَّي الحديثة، واستخدام تقنيَّات التَّسميد والإنتاج الَّتي تقلِّل استهلاك المياه وترفع جودة المحاصيل. كما يتطلب الأمْر بناء منظومة دعم مرتبطة بمؤشِّرات الأداء والإنتاجيَّة والاستدامة، بما يَضْمن توجيه الموارد نحو الأنشطة الأكثر جدوى، ويُعزِّز قدرة المزارع على الانتقال من الإنتاج التَّقليدي إلى نماذج زراعيَّة أكثر ابتكارًا وتنافسيَّة.

ويأتي تطوير إجراءات التَّراخيص الزِّراعيَّة في مقدِّمة هذه الأولويَّات، من خلال مراجعة الاشتراطات وتبسيط المعاملات وتوحيد مساراتها، وتحديد مُدَد زمنيَّة واضحة لإنجازها، وإتاحة خدمات رقميَّة متكاملة تُتيح للمواطن معرفة المتطلبات والحصول على الموافقات دون تعدُّد الجهات أو تكرار الإجراءات. كما أنَّ توفير نافذة موَحَّدة للمستثمر الزِّراعي، تتكامل فيها متطلبات الأراضي والمياه والتَّراخيص والتَّمويل والتَّسويق، من شأنه تقليل المخاطر الإجرائيَّة، ورفع جاذبيَّة القِطاع أمام الشَّباب وروَّاد الأعمال والمؤسَّسات الصَّغيرة والمتوسِّطة، وتحويل رغبة كثير من الشَّباب العُماني في الاستثمار الزِّراعي إلى مشروعات إنتاجيَّة مستدامة.

وفي الشَّأن ذاته، تبرز أهميَّة إعادة تأهيل المزارع غير المستغلَّة والمحافظة على الأراضي الزِّراعيَّة الصَّالحة للإنتاج، من خلال حِزم تحفيزيَّة تساعد ملَّاكها على استثمارها، وتوفِّر ضمانات واضحة لاستمرار النَّشاط الزِّراعي وجدواه الاقتصاديَّة. فالمحافظة على الأرض الزِّراعيَّة لا تتحقَّق بمجرَّد تقييد تغيير استعمالها، وإنَّما بإيجاد قِيمة مضافة ملموسة من استثمارها، ومعالجة الصُّعوبات الَّتي تدفع أصحابها إلى التَّوقف أو البحث عن أنشطة بديلة. ويستدعي ذلك تنسيقًا فاعلًا بين الجهات المعنيَّة بالتَّخطيط العمراني والزِّراعة والمياه والاستثمار والتَّسويق الغذائي وشركات الإنتاج الغذائي، بما يوازن بين حماية الأراضي الزِّراعيَّة ومتطلبات التَّنمية، ويَضْمن بقاء الأراضي المنتِجة ضِمن الدَّوْرة الاقتصاديَّة، الأمْر الَّذي يحافظ على استغلالها وضمان قدرتها على الحضور النَّوعي في المنجز الغذائي.

إنَّ تأكيدنا على هذا الأمْر يُمثِّل اليوم أولويَّة يجب أن تُدركَ، من شأنها أن تُسهمَ في إعادة توجيه الخريطة الزِّراعيَّة وفق احتياجات السُّوق المحليَّة والميزة النَّسبيَّة للمحافظات والولايات، مع إعطاء الخضراوات والفواكه والمحاصيل الغذائيَّة الأساسيَّة أولويَّة مدروسة، دون إغفال أهميَّة المحاصيل العلفيَّة في دعم الثَّروة الحيوانيَّة. فالمطلوب ليس تقليص نشاط زراعي لمصلحة آخر بصورة مُطْلقة، بل ضمان بناء معادلة إنتاجيَّة تراعي احتياجات السكَّان، ومدى توافر المياه، والتَّكاليف، والطَّلب المتوقع، والقدرة التَّنافسيَّة، بما يحدُّ من الفجوات بين الإنتاج والاستهلاك، ويُعزِّز كفاءة استخدام الأراضي والموارد المائيَّة.

كما أنَّ تعظيم الاستفادة من البحوث الزِّراعيَّة يستدعي ربط مراكز البحث والمختبرات بالمزارع والمستثمرين، وتوسيع برامج الإرشاد والتَّدريب التَّطبيقي، وتطوير أصناف ملائمة للظُّروف المناخيَّة العُمانيَّة، وأكثر قدرةً على تحمُّل الحرارة والملوحة وشحِّ المياه. ويُمكِن أن تُسهمَ الزِّراعة المحميَّة والزِّراعة المائيَّة والزِّراعات النَّسيجيَّة في تحسين الإنتاجيَّة وترشيد الموارد، متى استند التَّوَسُّع فيها إلى دراسات جدوى دقيقة، ودعم ومتابعة واستدامة في تتبُّع مستوى نُمو المنتج الزِّراعي. يُضاف إلى ذلك تشجيع زراعة النَّباتات الطبيَّة والعطريَّة والمحاصيل ذات القِيمة الاقتصاديَّة المرتفعة، وفق ملاءمتها البيئيَّة والطَّلب السُّوقي، واستغلال المواسم البيئيَّة في ذلك، في ظلِّ نُمو بعض الأشجار والنَّباتات والزُّهور وغيرها، بما يفتح فرصًا جديدة للمشروعات الشَّبابيَّة، ويُعزِّز تنوُّع مصادر الدَّخل الزِّراعي.

ولمَّا كان التَّسويق الزِّراعي أحَد أكثر المسارات تأثيرًا في استدامة الاستثمار الزِّراعي، وشكَّلت فترة التِّسعينيَّات الَّتي وصلتْ فيها مشروعات التَّسويق الزِّراعي إلى حدِّ النَّضج، وما قدَّمته من أجْلِ ضمان بقاء المواطن العُماني مزارعًا ومستثمرًا، تأتي أهميَّة تعظيم هذا المسار، بما يتناسب مع المتغيِّرات، ويحافظ على درجة الإنتاجيَّة والكفاءة الزِّراعيَّة للمواطن، ويراعي أيضًا الشَّراكات والاتفاقيَّات وسلاسل التَّوريد بصورة تَضْمن الأولويَّة للمنتَج العُماني.

ومن هنا، تبرز الحاجة إلى تطوير مرافق التَّخزين والتَّبريد والنَّقل، وإنشاء مراكز تجميع وفرز وتعبئة في المحافظات، وتعزيز حضور المنتَجات الوطنيَّة في منافذ البيع والأسواق المركزيَّة والمنصَّات الرَّقميَّة. كما أنَّ تشجيع الصِّناعات التَّحويليَّة المرتبطة بالتُّمور والفواكه والخضراوات، والاستفادة من الفائض والمنتَجات غير المُطابِقة لمعايير البيع الطَّازج، يُمكِن أن يرفعَ القِيمة المضافة، ويحدَّ من الفاقد، ويوفِّرَ فرص عمل جديدة للمواطنين.

إنَّ حماية المنتَج المحلِّي، وتعزيز حضوره، واستدامة بقاء الأرض العُمانيَّة منتِجةً بسواعد العُمانيين وإرادتهم المعطاءة، تتطلب سياسة تجاريَّة مَرِنة وشفَّافة، تُوازن بين مصالح المزارع والمستهلِك، وتستند إلى بيانات الإنتاج والطَّلب والمخزون والأسعار. فالتَّعامل مع وفرة الإنتاج المحلِّي ينبغي أن يتمَّ عبر تنظيم الاستيراد في الحدود الَّتي تسمح بها الالتزامات التِّجاريَّة والتَّشريعات النَّافذة، وتعزيز شراء المنتَج الوطني وترويجه، بدلًا من الاعتماد على قرارات مفاجئة قد تُربِك السُّوق. وفي المقابل، يتعيَّن ضمان توافر السِّلع عند انخفاض الإنتاج المحلِّي، بما يحافظ على استقرار الأسعار واستمراريَّة الإمدادات الغذائيَّة.

وبالتَّالي مراجعة الأعباء التَّشغيليَّة الَّتي تواجِه المزارع، وبخاصَّة تكاليف الكهرباء والمياه والمبيدات والأسمدة والبذور والشَّتلات والنَّقل والعمالة والتَّراخيص. ثمَّ، فإنَّ مراجعة هذه التَّكاليف، ودراسة بدائل التَّعرفة في فواتير الكهرباء أو الدَّعم الموَجَّه للأنشطة الزِّراعيَّة المستوفية لمعايير الكفاءة، وتسهيل استيراد المدخلات وفق الضَّوابط الصحيَّة والبيئيَّة، تُمثِّل أدوات عمليَّة لتحسينِ الدَّوْرة الزِّراعيَّة وتعظيم أثَرها الاقتصادي، إضافةً إلى تعزيز فرص المواطنين في إدارة المشروعات الزِّراعيَّة وتملُّك المعرفة والتِّقنيَّات، من خلال التَّدريب والحاضنات الزِّراعيَّة والتَّمويل والتَّسويق، بما يرفع مشاركتهم الفعليَّة في هذا القِطاع.

إنَّ الاحتفال بيوم الزِّراعة العُماني يُمثِّل التزامًا وطنيًّا بتعظيم القِيمة الاقتصاديَّة للزِّراعة، والمحافظة على موقع هذا النَّشاط في منظومة الأمن الغذائي، وأن تُسهمَ برامج الدَّعم والتَّراخيص والتَّسهيلات في تحقيق الإنتاجيَّة، وتغيير الصُّورة النَّمطيَّة الَّتي ما زالت حاضرة في ذهن المستثمرين في هذا القِطاع، وأنَّ الفائدة المتحقِّقة منه أقلُّ بكثير ممَّا يدفع له ويتطلبه من استحقاقات ومبالغ ويصرف عليه من جهد؛ لذلك كان لهذه الجهود الوطنيَّة أن تحوِّلَ هذه الصُّورة القاتمة، كما حوَّلها عام الزِّراعة العُماني في تسعينيَّات القرن الماضي، إلى مساحة أمان وإرادة عمل مُتجدِّدة نحو النَّهوض بهذا القِطاع، وإثبات بصمة حضور مواطن في الدَّوْرة الزِّراعيَّة، الأمْر الَّذي ينعكس على التَّحسُّن في دخل المزارع والمستثمر العُماني وصاحب الأرض أو المنتفع بها على حدٍّ سواء، يضاف إليها ارتفاع في نِسَب الاكتفاء الذَّاتي، وتوفير فرص العمل. فالأمن الغذائي المستدام يتحقق بتكامل الجهد في الأرض والمياه والتِّقنيَّة والتَّمويل والتَّسويق والتَّشريعات، وبوجود مزارع ومستثمر ورائد أعمال عُماني يشعر بأنَّ الاستثمار في أرضه فرصة اقتصاديَّة قابلة للنُّمو والاستمراريَّة، وتوفير بيئة أعمال واعدة لابتكار الشَّباب وتأسيس مشروعاتهم؛ لتحقيقِ تنمية مستدامة تحفظ الموارد، وتستثمر الإمكانات، وتَضْمن حقوق الأجيال القادمة.

د.رجب بن علي العويسي

[email protected]