السبت 31 أكتوبر 2026 م - 20 جمادى الأولى 1448 هـ
أخبار عاجلة

العالم فـي رقيه وتقدمه وجماله يتجلى نموذجًا فـي اليابان «٢/٩»

العالم فـي رقيه وتقدمه وجماله يتجلى نموذجًا فـي اليابان «٢/٩»
السبت - 31 أكتوبر 2026 02:54 م

سعود بن علي الحارثي

10

أولًا: الأدب الياباني.. اكتشاف المعنى في الأشياء (٢).

رباعيَّة الرِّوائي الياباني «يوكيو ميشيما» «بحر الخصوبة»، أو «رائعة ميشيما النَّادرة»، هي واحدة من أعظم الأعمال الرِّوائيَّة العالميَّة الَّتي أعتزُّ بانضمامها إلى مكتبتي قَبل سنوات، وعشتُ أجمل الأيَّام وأكثرها إدهاشًا وإحساسًا بعذوبة القراءة وفتنة الأدب الياباني، وأنا أعبُّ من نبع مداد صفحاتها أغنى المعاني وأعمق الدلالات، وأبحر في تاريخ وثقافة وتقاليد شَعبها المميَّز. «الجياد الهاربة»، «ثلج الربيع»، «معبد الفجر»، و»سقوط الملاك»، رباعيَّة تأخذ بلباب قارئها وتستحوذ على تفكيره، وتبقي أثرًا فيه، يتواصل ألَقُه وتظلُّ شذراته لسنوات، وتُحْدث تحوُّلًا ووعيًا عميقًا في رؤيته للحياة والإنسان، وتتألق في تطويعها لصياغة مفاهيم ومصطلحات جديدة تُحقِّق الدقَّة والإتقان والأناقة في التَّصوير؛ فبعبارات سَلِسة وسردٍ شيِّق أخَّاذ كان «يوكيو ميشيما» يأخذ القارئ معه في «رحاب ألوان من القلق لا يعرف لها اسمًا…»، إلى لحظات من «التَّمتُّع بالسَّعادة الغامرة…»، أو العكس، بعد «أن تنتشرَ قطرة الحبر كئيبة ومعتمة، لِتضمَّ في رحابها كُلَّ ما كان رائقًا وشفَّافًا في قَلْبه، منذ لحظة واحدة لا غير»، كما هو حال الإنسان الَّذي يسقطه موقف عادي أو كلمة عابرة من علياء فرحه إلى قتامة الألَم والحزن، في وصف معبِّر عن هشاشته وضعفه، وسعة ثقافة واطِّلاع وخبرة هذا الرِّوائي من جانب آخر، وإلمامه بالعلوم والفلسفة الإنسانيَّة. الرِّواية مشبَّعة بكمٍّ هائل من المعلومات، زاخرة بالأفكار والأخبار والقراءات في القوانين وتاريخ الحضارات وصراعات الدوَل والحروب ومراسم وبروتوكولات القصور والأُسر الحاكمة، الأعراف والقِيَم والعادات، مدارس ومناهج ونظريَّات سياسيَّة وعلميَّة وتاريخيَّة، قصص شَعبيَّة وأمثال وآداب الشُّعوب، وتمزج في حبكتها الرِّوائيَّة بَيْنَ تناول الأحداث التَّاريخيَّة وتقديمها لتقاليد الثَّقافة اليابانيَّة وفلسفة وشعائر الدِّيانة البوذيَّة وأعراف ومراسم الأُمراء والأُسرة الحاكمة والنُّبلاء، وتسعى إلى تكريس أو ترسيخ المفهوم الفلسفي ـ الدِّيني «تناسخ الأرواح»، عَبْرَ شخصيَّاتها الَّتي تتناوب على أخذ أدوارها الرَّئيسة في كُلِّ مجلَّد من مجلَّداتها الأربعة، على مراحل زمنيَّة متعاقبة، وتُشكِّل مركزًا لتراكُم الأحداث والمعلومات والتَّفسيرات والمفاهيم الَّتي تجعل من الرباعيَّة عملًا أدبيًّا أشمل بكثير من كونها «رواية»... إنَّها تقدِّم آراء «ميشيما» وفلسفته وأفكاره في الحياة، الَّتي ضمَّنها في كِتابه «شمس وفولاذ»، وتوصَف بأنَّها تُعبِّر عن أفكاره وسِيرته الرُّوحيَّة، ويُمكِن من خلالها فَهْمه والتَّعرُّف على منهجه، والَّتي قادت في نهاية المطاف إلى إنهاء حياته بالانتحار...

وهي من التَّساؤلات المشروعة الَّتي ترتبط بالنِّهايات العجيبة لهؤلاء الكتَّاب الَّذين ينهون حياتهم في لحظة هي من أجمل لحظات نجاحاتهم، وفي قمَّة وأوج تألُّقهم وإنجازاتهم الَّتي تحتفي بها البَشَريَّة، وتقودهم إلى العالميَّة؛ فما هي الرِّسالة الَّتي أراد «ميشيما» أن يوصلَها من انتحاره؟ وما الأفكار الَّتي كانت تعتريه ساعتها؟ وهل هذه النِّهاية فصل من فصول مشروعه الحياتي؟ هل أراد أن يؤسِّسَ منهجًا في الحياة محتواه أنَّ الإنسان إذا بلغ الغاية في تحقيق أهدافه، وإنهاء مشاريعه فعلَيْه أن يغادرَها بسلام حتَّى قَبل أن يشهدَ أثَرَ نجاحاته ومشاريعه وأفكاره على قرَّائه ومُحبِّي أعماله؟ لا أحَد يستطيع التَّكهُّن بتقليعات الإنسان، وما يجيش في أعماقه من أفكار ورغبات وفلسفات، وما يؤمن به من عقائد ومناهج ومدارس فكريَّة، وسوف تبقى نهاية هذا الأديب الشَّاعر والرّوائي والكاتب والمخرج... لغزًا ومثارَ جدَلٍ ونقاشٍ وتحليلاتٍ لا تنتهي، وقد تكُونُ هذه واحدة من مقاصده... يُذكر أنَّ «يوكيو ميشيما» شاعر وكاتب مسرحي وممثِّل ومُخرِج أفلام شهير... وعُرف «على نطاق عالمي، ويُعَدُّ من أشْهَر الكتَّاب اليابانيين في القرن العشرين، ومزجت أعماله الطليعيَّة بَيْنَ القِيَم الجَماليَّة الحديثة والتَّقليديَّة، وحطَّمت الحواجز الثَّقافيَّة، وكانت الجنسانيَّة والموت والتَّحَوُّل السياسي من أهمِّ محاورها...». الرِّواية أو الملحمة اليابانيَّة الأخرى كانت «طائر الزنبرك» لهاروكي موراكامي، وهي من الرِّوايات الَّتي تأسر قارئها، تأخذه بعيدًا إلى عالمها المتخيّل، إلى فضاء تمتزج فيه الغرائبيَّة بالواقعيَّة، والخيال بالحقيقة، والأُسطورة بالممكن. رواية تُضحك قارئها وتُبكيه، تُسعده وتُحزنه، تقذف به إلى المجهول وتسنده، تُريحه وتشقيه. من أيِّ عالم ارتوى كاتبها ثقافته وخيالاته وابتكاريَّة موضوع «يوميَّات طائر الزنبرك»؛ لِيقدِّمَ هذا العمل الحالم الجميل المتقن؟ حتَّى قرار مواصلة قراءتها حتَّى النِّهاية أو التَّوقُّف في منتصفها رهينًا لعاصفة الأحداث اللامعقوليَّة الَّتي تصبغ حبكتها الرِّوائيَّة: أسئلة من النَّوع الَّذي لا إجابات لها، حوارات، افتراضات، مفاجآت في الطَّريق غير متوقَّعة، تتَّسم بالغرائبيَّة... هل يعود السَّبب إلى «وقت الفراغ الطَّويل. حين لا يكون لديك ما تفعله، تشطح أفكارك.. تشطح بعيدًا إلى درجة أنَّك لا تستطيع اللَّحاق بها إلى النِّهاية..»؟ هي من الرِّوايات الَّتي يستحيل تصنيفها، تلخيصها، الكتابة أو تقديم عرض عنها؛ إنَّها محيِّرة، استثنائيَّة، متفرِّدة بين الرِّوايات العظيمة.. تبدأ الحكاية من لحظة فقدان بطل الرِّواية القط «نوبور واتايا»، وتكليف الزَّوجة لزوجها العاطل البحث عنه، فتتسارع الأحداث، وتتداخل القصص والأهداف والخصال البشريَّة، وتتشابك حياة ومصائر الشخصيَّات العجيبة الَّتي أدخلها «هاروكي موراكامي» في حبكته الرِّوائيَّة المُذهلة. من يوميَّات «طائر الزنبرك» عشتُ مع الأُسرة اليابانيَّة، وتعرفتُ على خصائصها وتقاليد حياتها وأُسلوب تربيتها؛ فهي تَبْني الفرد على أساس أنَّه لا «سبيل للمرء كي يعيشَ حياةً كاملة في المُجتمع الياباني إلَّا بالحصول على أعلى الدَّرجات»، وبأنَّ اليابان وإن كانت تبدو «بنية سياسيَّة لدولة ديمقراطيَّة، لكنَّها في الوقت نفسه مُجتمع طبقي شديد الضَّراوة يلتهم فيه القويُّ الضَّعيف»، كما أنَّ افتقاد الفرد الياباني إلى الطُّموح يعني بأنَّ «اليابان قد هلكت»، وهي أيضًا «تقدِّر قِيمة الجِد في العمل»، وتُعطي قدرًا «من الاستقلاليَّة في الأشياء الصَّغيرة»، وتتجنَّب الأُسرة «تدليل الأطفال بالمال الزَّائد من أجْلِ الكماليَّات»، وصاحب العمل يمتلك «مهارة العثور على أصحاب القدرات المتميِّزة، ويدفع لهم رواتب سخيَّة، ويُحْسن معاملتهم، فيبذلون كل جهدهم في العمل». وفي أكثر من إشارة عرضت الرِّواية لأحداث معركة «نومونهان» الَّتي نشبت بين اليابان والاتِّحاد السوفييتي في (١٩٣٩م)، ونتج عنها هزيمة قاسية للجيش الياباني. ومن صفحاتها عرفتُ أنَّ الاسم الحقيقي لطوكيو ـ ويعني «العاصمة الشَّرقيَّة» ـ «إيدو»: «باب الخليج»، وقد حدَث التَّغيير في عام (١٨٦٨م). يرمز طائر الزنبرك إلى مفاهيم مُتعدِّدة مثل «استكشاف الذَّات والشِّفاء وفكرة الهُوِيَّة. كما تجمع موضوعات الرِّواية التَّقاليد الثَّقافيَّة اليابانيَّة الكلاسيكيَّة مع القِيَم الغربيَّة المعاصرة للاستقلال والثَّقافة الشَّعبيَّة. يستكشف موراكامي من خلالها الطَّبيعة البشريَّة، ويفترض أنَّ العدميَّة والأمل، والنُّور والظَّلام، والألَم والفرح كلَّها متشابكة». الحالة المبشِّرة في الآونة الأخيرة أنَّ مترجمين عُمانيين يُسهمون في نقلِ هذه الرِّوايات إلى العربيَّة؛ فالكاتب الأستاذ أحمد بن حسن المعيني هو مترجم «يوميَّات طائر الزنبرك». «يتبع».

سعود بن علي الحارثي

[email protected]