كثيرًا ما نسمع عن تبرُّع الشَّركات لدعمِ المؤتمرات والمُخيَّمات الصَّيفيَّة وغيرها من الأنشطة. إلَّا أنَّ هذا التَّبرُّع يكون أثَره وقتيًّا ومرحليًّا؛ فالوقف الخيري يستطيع أن يمنحَ العطاء استمراريَّة، وأن يحوِّلَ المال من مورد يُستهلك مرَّةً واحدة إلى مصدرٍ مستمرٍّ للنَّفع العام. وبين عطاءٍ يسدُّ حاجة اليوم، وعطاءٍ يتَّصف بالاستمراريَّة والاستدامة، تتجلَّى المفارقة الَّتي تجعل الوقف أحَد أعمق نماذج المسؤوليَّة الاجتماعيَّة في تاريخ المُجتمعات البشريَّة. فهو لا يكتفي بتخفيف أعباء المُحتاجين، بل يفتح أمامهم فرصًا للتَّعليم والعمل والاستقلال، ويمنح المؤسَّسات والأفراد وسيلةً لتحويل قِيَم التَّضامن إلى مشروعات تنمويَّة مستدامة. فلم يَعُد السُّؤال متعلقًا بمقدار ما نقدِّمه للمُجتمع، بل بقدرتنا على جعل ما نقدِّمه اليوم مصدرًا للعطاء والدَّعم المستمرِّ.
فالوقف الخيري يقوم على أساس تخصيص أصلٍ مالي أو عقاري أو غيره من الأُصول للاستفادة من ريعه لدعمِ المُجتمع وتقديم خدمات اجتماعيَّة، فيَضْمن بذلك استمرار المنفعة. وبهذا المعنى، يلتقي الوقف مع جوهر المسؤوليَّة الاجتماعيَّة الَّتي تدعو الأفراد والمؤسَّسات إلى أداء دَوْر إيجابي في خدمة المُجتمع، والمساهمة في معالجة تحدِّياته، وتحسين جودة الحياة.
وتتجلَّى أهميَّة هذه العلاقة في انتقال التَّبرُّع الَّذي تقدِّمه الشَّركات للأنشطة قصيرة المدى، إلى دعم الوقف الخيري والَّذي يوظَّف عائد استثماره لدعمِ هذه الأنشطة، فتتحقَّق الاستدامة. فلا يكتفى بتقديم الدَّعم للبرامج قصيرة المدى بشكلٍ مباشر، بل يُمكِن توجيه عوائد الأوقاف إلى دعم البرامج، فيستمرُّ هذا الدَّعم، كالتَّدريب المهني، وتمويل المشروعات الصَّغيرة، وتأهيل الشَّباب لسُوق العمل، وتوفير المِنح التَّعليميَّة، ودعم البحث العلمي والرِّعاية الصِّحيَّة. وبهذا يتحوَّل الوقف إلى أداة لا تُسهم في تمويل أنشطة قصيرة المدى، بل تساعد على معالجة بعض أسباب استمرارها، وتعزيز قدرة الأفراد على الاعتماد على أنفسهم والمشاركة في التَّنمية. ونوجز القول بأنَّ الشَّركات تدعم الوقف في إطار المسؤوليَّة الاجتماعيَّة، وعوائد استثمار الوقف تدعم البرامج التَّنمويَّة قصيرة المدى، فبذلك تتحقَّق الاستمراريَّة في المسؤوليَّة الاجتماعيَّة.
وتزداد أهميَّة الوقف عندما يتكامل دَوْره مع برامج المسؤوليَّة الاجتماعيَّة الَّتي تتبنَّاها مؤسَّسات القِطاع الخاص. فبدلًا من اقتصار مساهمات الشَّركات على التَّبرُّعات الموسميَّة أو المبادرات المرتبطة بالمناسبات، يُمكِن بناء شراكات طويلة الأمد مع المؤسَّسات الوقفيَّة، تجمع بين الموارد الماليَّة والخبرات الإداريَّة والتَّقنيَّة، وتوجُّهها نحو مشروعات ذات أثرٍ واضح. وقد تشمل هذه الشَّراكات إنشاء صناديق وقفيَّة لدعمِ التَّعليم، وتمويل برامج تمكين الشَّباب، وتطوير مبادرات تخدم أصحاب الهِمَم والأُسر المتعفِّفة، إلى جانب الإسهام في تنمية المشروعات المُجتمعيَّة الَّتي تُحقِّق النَّفع العام.
ولا ينبغي النَّظر إلى هذه الشَّراكة باعتبارها وسيلةً لتعزيزِ الصُّورة المؤسَّسيَّة للشَّركات فحسب، بل بوصفها مسؤوليَّة مُجتمعيَّة تربط النَّشاط الاستثماري الخيري بسدِّ حاجة المُجتمع. فالمؤسَّسة الَّتي تُسهم في إنشاء مشروعٍ وقفي مستدام لا تقدِّم دعمًا مؤقتًا، وإنَّما تشارك في بناء موردٍ يُمكِن أن يستمرَّ في تمويل المبادرات المُجتمعيَّة لسنواتٍ طويلة. وهنا تتكامل أهداف المسؤوليَّة الاجتماعيَّة مع فلسفة الوقف القائمة على استدامة المنفعة، وتوسيع دائرة خدمة المُجتمع.
إنَّ الوقف الخيري والمسؤوليَّة الاجتماعيَّة يلتقيان عند حقيقة جوهريَّة، مفادها أنَّ قِيمة الثَّروة لا تُقاس بما تملكه الأيدي وحدها، بل بما تتركه من أثَرٍ في حياة الآخرين. وإذا كانت المسؤوليَّة الاجتماعيَّة تعكس وعي الأفراد والمؤسَّسات بواجبهم تجاه المُجتمع، فإنَّ الوقف يمنح هذا الوعي قدرةً على الاستمرار والتَّطوير. وليس بالضَّرورة أن تتولَّى شركة واحدة إنشاء أوقاف، بل يُمكِن أن تتعاونَ هذه الشَّركات لإنشاء وقفٍ مشترك في إطار المسؤوليَّة الاجتماعيَّة. فمن الجميل أن ننتقلَ من مرحلة المسؤوليَّة الاجتماعيَّة قصيرة المدى إلى مسؤوليَّة اجتماعيَّة مستدامة عن طريق الوقف الخيري... ودُمْتُم أبناء قومي سالِمِين.
نجوى عبداللطيف جناحي
أكاديمية وكاتبة اجتماعية بحرينية
متخصصة في التَّطوع والوقف الخيري
أكس: @Najwa.janahi