الأحد 01 نوفمبر 2026 م - 21 جمادى الأولى 1448 هـ
أخبار عاجلة

رأي الوطن : شراكات آسيوية تعزز الحضور العُماني

السبت - 31 أكتوبر 2026 03:00 م

رأي الوطن

20

تُمثِّل زيارتا «دولة» اللَّتان يقوم بهما حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ إلى جمهوريَّة الصِّين الشَّعبيَّة وبروناي دار السَّلام، خطوةً مهِمَّة في مسار تعزيز علاقات سلطنة عُمان الخارجيَّة، وتوسيع شراكاتها مع الدوَل الآسيويَّة، وتعكسان حرص جلالته على تطوير مجالات التَّعاون الدّولي بما يخدم المصالح الوطنيَّة ويدعم التَّوَجُّهات الاقتصاديَّة والتَّنمويَّة للسَّلطنة. وتكتسب الزِّيارتان أهميَّةً خاصَّة في ظلِّ التَّحولات الَّتي يشهدها الاقتصاد العالمي، وما تفرضه من ضرورة تنويع الشَّراكات، والاستفادة من الفرص الاستثماريَّة والتَّكنولوجيَّة المتاحة؛ حيثُ أصبحت العلاقات الاقتصاديَّة الدوليَّة أحَد العوامل المؤثِّرة في قدرة الدوَل على تعزيز تنافسيَّتها وتحقيق أهدافها التَّنمويَّة، وهو ما يمنح التَّحرُّك الدّبلوماسي العُماني أبعادًا تتجاوز تعزيز العلاقات الثُّنائيَّة إلى بناء شراكات طويلة الأمد، تقوم على المصالح المشتركة والتَّكامل الاقتصادي، وتنسجم مع النَّهج المتوازن الَّذي تتبعه سلطنة عُمان في علاقاتها مع مختلف دوَل العالم.

ولعلَّ ما يمنح الزِّيارة السَّامية إلى جمهوريَّة الصِّين الشَّعبيَّة أهميَّة استثنائيَّة أنَّها الأُولى الَّتي يقوم بها سُلطان عُمان إلى الصِّين، وتأتي امتدادًا لعلاقات تاريخيَّة وحضاريَّة تَعُود إلى أكثر من ألف عام، حين أسْهَم البحَّارة والتُّجَّار العُمانيُّون في مدِّ جسور التَّواصل التَّجاري بين شِبه الجزيرة العربيَّة والصِّين عَبْر الطُّرق البحريَّة، وهي علاقات تطوَّرت في العصر الحديث منذ إقامة العلاقات الدبلوماسيَّة عام (1978)، وصولًا إلى إعلان الشَّراكة الاستراتيجيَّة بين البلدين عام (2018). وقد انعكس هذا التَّطوُّر على حجم التَّعاون الاقتصادي والتِّجاري؛ حيثُ تجاوز التَّبادل التِّجاري بين البلدين (25) مليار دولار أميركي خلال عام (2025)، وأصبحتِ الصِّين السُّوق الأكبر للصَّادرات العُمانيَّة، الأمْر الَّذي يُظهر متانة المصالح الاقتصاديَّة المشتركة، ويفتح المجال أمام مرحلة أكثر تقدُّمًا من التَّعاون، لا تقتصر على المبادلات التِّجاريَّة، وإنَّما تمتدُّ إلى الاستثمارات الصِّناعيَّة والمشروعات الإنتاجيَّة، ونقْلِ التَّكنولوجيا، وتطوير سلاسل الإمداد، بما يُؤكِّد على القِيمة المُضافة للاقتصاد الوطني، ويوسِّع فرص استفادته من القدرات الصِّناعيَّة والتِّقنيَّة الَّتي تمتلكها الصِّين.

وتتجلَّى الأهميَّة الاقتصاديَّة للزِّيارتين في ارتباطهما بتَوَجُّهات سلطنة عُمان نحو تنويع القاعدة الإنتاجيَّة واستقطاب الاستثمارات النَّوعيَّة، بما يتوافَق مع مستهدفات رؤية «عُمان 2040»؛ إذ تُتيح الشَّراكة مع الصِّين فرصًا واسعة لتطويرِ التَّعاون في قِطاعات الصِّناعات التَّحويليَّة والطَّاقة المُتجدِّدة، والهيدروجين الأخضر، والاقتصاد الرَّقمي والذَّكاء الاصطناعي، والاستفادة من المناطق الاقتصاديَّة الخاصَّة والمناطق الحُرَّة والموانئ العُمانيَّة في إقامة مشروعات صناعيَّة ولوجستيَّة متكاملة، خصوصًا في ظلِّ ما تتمتَّع به السَّلطنة من موقع جغرافي استراتيجي وبنية أساسيَّة متطوِّرة وبيئة استثماريَّة جاذبة. كما تفتح الزِّيارة السَّامية إلى بروناي دار السَّلام آفاقًا لتعزيزِ التَّعاون الثُّنائي واستكشاف مجالات جديدة للشَّراكة الاقتصاديَّة والاستثماريَّة، بما يوسِّع شبكة العلاقات العُمانيَّة في جنوب شرق آسيا. وتزداد أهميَّة هذه التَّوَجُّهات عندما تقترن الاستثمارات الخارجيَّة بتوطينِ الصِّناعات، وتطويرِ الكفاءات الوطنيَّة، ونقْلِ المعرفة والتَّكنولوجيا، بما يُسهم في إيجاد فرص العمل، وتعزيز الإنتاجيَّة، ورفعِ القدرة التَّنافسيَّة للاقتصاد العُماني، ويجعل من الشَّراكات الدّوليَّة رافدًا فاعلًا للتَّنمية المستدامة.

وتُؤكِّد الزِّيارتان السَّاميتان أهميَّةَ الدَّوْرِ الَّذي تؤدِّيه الدّبلوماسيَّة العُمانيَّة في بناء علاقات دوليَّة متوازنة تجمع بين المصالح السياسيَّة والاقتصاديَّة، وتستند إلى مبادئ الاحترام المتبادل والتَّعاون والحوار، وهي مرتكزات أسْهَمت في ترسيخ مكانة سلطنة عُمان شريكًا موثوقًا لدى مختلف الدوَل. كما أنَّ توسيع التَّعاون مع الصِّين وبروناي دار السَّلام يُعزِّز الحضور العُماني في القارَّة الآسيويَّة، ويفتح مجالاتٍ أرحبَ للتَّنسيق والتَّفاهم بشأنِ القضايا ذات الاهتمام المشترك، في وقتٍ تتزايد فيه أهميَّة الشَّراكات الدّوليَّة في مواجهة التَّحدِّيات الاقتصاديَّة، وتعزيز استقرار سلاسل الإمداد وأمن الطَّاقة والغذاء. ومن هنا تبرز أهميَّة البناء على ما تُتيحه هذه الزِّيارات من فرص، وترجمة التَّفاهمات إلى برامج تعاون ومشروعات استثماريَّة تُحقِّق منافع متبادلة، وتدعم مَسيرة التَّنويع الاقتصادي، بما يعكس الرُّؤية الحكيمة لجلالة السُّلطان المُعظَّم في توظيف العلاقات الخارجيَّة لخدمة التَّنمية الوطنيَّة، وتعزيزِ حضور سلطنة عُمان ومكانتها على السَّاحتين الإقليميَّة والدّوليَّة.