الأربعاء 28 أكتوبر 2026 م - 17 جمادى الأولى 1448 هـ
أخبار عاجلة

اليتم.. حين يصنع الضعف الإنساني بابا للرحمة «1»

الأربعاء - 28 أكتوبر 2026 02:44 م

وُلِدَ النبي (صلى الله عليه وسلم) يتيم الأب، ثم فقد أمه وهو في السادسة، ثم فقد جده عبد المطلب بعد ذلك بنحو عامين، وكأن السنوات الأولى من حياة من سيبعثه الله رحمة للعالمين قد عرفت الفقد مبكرًا، ولامست من هشاشة الحياة ما يجعل الحديث عن اليُتم في سيرته أكبر من مجرد معلومة في أول صفحاتها، لكن اللافت في هذه الطفولة ليس اليُتم وحده، بل كيف أُدير اليُتم؟

فمحمد (صلى الله عليه وسلم) كان يتيمًا، لكنه لم يكن متروكًا، فقد الأب، لكنه لم يفقد الأسرة، وفقد الأم، لكنه لم يفقد الرعاية، وتتابعت عليه أحزان الطفولة، لكن المحيط من حوله لم يسمح للفقد أن يتحول إلى إهمال، ولا للحاجة أن تتحول إلى مذلة، ولا لغياب الوالدين أن يعني غياب التربية.

وقد أعاد القرآن النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى هذه الذاكرة المبكرة بقوله تعالى:(أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى)، ثم نقل التجربة من الذاكرة الشخصية إلى المسؤولية الأخلاقية:(فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ)، وبين الآيتين معنى اجتماعي بالغ العمق: ليس أخطر ما يصيب الطفل أن يفقد أحد والديه، وإنما أن يفقد بعدهما منظومة الرعاية كلها.

فالوفاة قدر لا يملكه المجتمع، أما أن يبقى اليتيم بعد الوفاة وحيدًا، فذلك أمر يستطيع المجتمع أن يفعل حياله الكثير، ومن يتأمل طفولة النبي (صلى الله عليه وسلم) يجد حوله دوائر متتابعة من الرعاية، تكاد ترسم لنا أربعة أركان يحتاج إليها كل يتيم: قلب يحبه، وأسرة تحميه، وبيئة تبنيه، وقدرة تؤهله للاستغناء عن الناس حين يكبر.

كان حضور المرأة واضحًا في السنوات الأولى من حياته (صلى الله عليه وسلم)؛ أمه آمنة بنت وهب، ومرضعته حليمة السعدية، وحاضنته أم أيمن، ولا نحتاج إلى تحميل هذه الوقائع أكثر مما تحتمل، لكن اجتماع دوائر الرعاية حول الطفل يلفت إلى حقيقة تربوية شديدة الأهمية: الطفل لا يعيش بالخبز وحده، فيحتاج الطفل إلى من يقرأ خوفه قبل أن ينطق به، ويلحظ مرضه، ويفرح بفرحه، ويسمع أسئلته، ويمنحه ذلك الأمان العاطفي الذي لا تستطيع الأموال شراءه، وقد يجد اليتيم من ينفق عليه، لكنه يظل يتيمًا من الداخل إذا لم يجد من يحبه.

ولهذا ينبغي ألا نختزل كفالة اليتيم في التحويل المالي، على عظم أجره وأثره؛ فهناك إلى جانب الكفالة المادية كفالة وجدانية لا تقل عنها أهمية. من يسأل عنه؟ ومن يسمعه؟ ومن يحضر نجاحه؟ ومن يطمئنه حين يخاف؟ ومن يلاحظ تغيره؟ ومن يجعله يشعر بأنه ابن بيت، لا رقمًا في سجل إعانة؟.

ولم تكن العاطفة وحدها هي التي أحاطت بطفولة النبي (صلى الله عليه وسلم)؛ فقد كفله جده عبد المطلب، ثم انتقلت كفالته بعد وفاة جده إلى عمه أبي طالب، فظل في أسرته ورعايته، وهنا يظهر الركن الثاني: الحماية الأسرية، فالطفل يحتاج إلى قلب يحتضنه، لكنه يحتاج كذلك إلى ظهر يستند إليه؛ إلى من يوفر له المأوى والنفقة، ويتولى شؤونه، ويحمي حقوقه، ويقف وراءه حين تكون قدرته الصغيرة أعجز من أن تواجه الحياة وحدها.

وهنا تستعيد الأسرة الممتدة معناها، فإذا مات الأب، لا ينبغي أن تموت معه الأبوة الاجتماعية كلها؛ فهناك الجد، والعم، والخال، والأخ، والعمة، والخالة، والجدة، وأقارب يستطيع كلُّ واحدٍ منهم أن يحمل جزءًا من الفراغ الذي تركه الغائب، ولعل اليُتم الاجتماعي الحقيقي يبدأ حين يكون حول الطفل عشرات الأقارب، ثم يقول كلُّ واحدٍ منهم: ليس هذا ابني.

فالإسلام حين عظم صلة الرحم لم يجعل الأسرة مجموعة أسماء محفوظة في شجرة النسب، وإنما جعل القرابة مسؤولية، تظهر قيمتها الحقيقية حين يحتاج أحد أفرادها إلى الآخر.

وقد عاش النبي (صلى الله عليه وسلم) جزءًا من طفولته في بني سعد في كنف حليمة السعدية، وفق ما ترويه كتب السيرة، ثم عاد إلى مكة وعاش في أسرته ومجتمعه.

ولا نحتاج هنا إلى الجزم بما لا تثبته الروايات من آثار تفصيلية لتلك البيئة في تكوينه، لكن المعنى التربوي العام ثابت في حياة البشر: الطفل لا تصنعه النفقة وحدها، بل تصنعه البيئة أيضًا، ومن هنا ينبغي أن يتغير السؤال في رعاية الأيتام من: كيف نوفر لهذا الطفل حاجاته؟ إلى أي إنسان نريد أن يصبح هذا الطفل؟.

فليس المطلوب أن يبقى اليتيم في دائرة الشفقة حتى يكبر، نريده في مدرسة جيدة، وفي صحبة صالحة، وفي بيئة تحفظ كرامته، ونريد أن تنمو لغته وعقله ومهاراته، وأن يمارس الرياضة، ويقرأ، ويسافر إن تيسر، ويجرب، ويخطئ ويتعلم، ويكتشف موهبته، ويعيش طفولته طفلًا، لا أن يبقى طوال الوقت ذلك الشخص الذي يذكره الجميع بأنه (اليتيم).

فالشفقة إذا أسيء استخدامها قد تتحول إلى قفص، وغاية الرعاية ليست أن نجعل الطفل يشعر بضعفه، وإنما أن نعوض موضع الضعف حتى يستطيع أن يقف مع أقرانه على أرض متقاربة.

إنَّ كفالة طفل مع إبقائه في بيئة تنتج العجز ليست كفالة مكتملة؛ الرعاية الحقيقية تنقل اليتيم من مجرد البقاء إلى القدرة على النمو والمنافسة والإنجاز، وهنا نصل إلى ركن ربما يغيب عن بعض صور الرعاية المعاصرة: التأهيل للحياة والعمل، فقد عمل النبي (صلى الله عليه وسلم) في رعي الغنم، وثبت عنه قوله:(كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة (، ولا ينبغي أن نربط هذا العمل باليُتم ربطًا سببيًا لا دليل عليه، لكن وجود العمل في شبابه يفتح معنى تربويًّا مُهمًّا: أن الرعاية لا ينبغي أن تصنع إنسانًا مُعتمدًا على الآخرين إلى الأبد.

سامي بن محمد السيابي 

 كاتب عماني