الخميس 29 أكتوبر 2026 م - 18 جمادى الأولى 1448 هـ
أخبار عاجلة

الخلافات حين تتحول إلى فتنة .. فالحذر من خوضها

الخلافات حين تتحول إلى فتنة .. فالحذر من خوضها
الأربعاء - 28 أكتوبر 2026 02:56 م

خميس بن عبيد القطيطي

20

الأزمات الإقليميَّة الرَّاهنة ـ للأسف الشَّديد ـ بلغت مستويات خطيرة، فأصبحت الحكمة السياسيَّة مطلبًا ملحًّا يتحمل مسؤوليَّته التَّاريخيَّة صنَّاع القرار في المنطقة؛ لِتجاوُز هذه الأزمات. بالمقابل فإنَّ الحفاظ على مساحة من الهدوء على وسائل الإعلام والتَّواصل الإعلامي مسؤوليَّة جماعيَّة لا يجوز التَّفريط فيها. وما يُثير القلق في المشهد الإقليمي اليوم هو تزايد المواجهات على السَّاحة الإعلاميَّة، وزيادة مستوى الصِّدام على وسائل التَّواصل الاجتماعي، وتباين المواقف على مستوى الرَّأي العام العربي. وهذا بِدَوْره لا يخدم أيَّ قضيَّة، بل يدفع الأطراف المتنازعة إلى التَّشدُّد في مواقفها، فيما تدفع شعوب المنطقة الثَّمَن جرَّاء استمرار هذه الصِّراعات.

المقلق في المشهد العربي الرَّاهن هو أن تتحولَ هذه الخلافات إلى حالة من الفتنة واصطفافات خاسرة للجميع، كما أنَّ الخاسر من استمرار الصِّراعات هُمُ الأبرياء والشعوب؛ وبالتَّالي لا مناص من البحث عن تحقيق السَّلام. فمن الضرورة الإنسانيَّة إنقاذ حاضر ومستقبل المنطقة وشعوبها وأجيالها، والدَّعوة إلى تَبنِّي مبادرة سلام شامل، وتغليب لُغة السَّلام اليوم، هي طاعة لله ولرسوله قَبل كل شيء، يجنِّب الأبرياء والشعوب المخاطر المحدقة، والسَّلام لن يتحققَ إن لم تكُن هناك رغبة جادَّة وصادقة من قِبل جميع الأطراف. فحَقْن الدِّماء هو مسؤوليَّة عظيمة أمام الله ينبغي استدراكها من قِبل الجميع، كما أنَّ استمرار الصِّراعات يحمل خسائر وأضرارًا كبرى على الجميع. وعندما يتألم الأشقَّاء في أيِّ قُطر عربي فإنَّ الألَم يشعر به جميع أبناء الأُمَّة مصداقًا لقول الشاعر: «كلَّما أنَّ جرح في العراق... ردَّد الشرق جرحه في عمان». فالمسؤوليَّة تقتضي من جميع الأطراف منح الفرصة للدبلوماسيَّة مجدَّدًا بهدف تحقيق السَّلام.

ما يحدُث اليوم على وسائل التَّواصل الاجتماعي هو حالة من الفتنة تؤجِّج الخلافات، وتزيد النَّار اشتعالًا، وتؤلِّب القلوب. وهنا نُحيِّي ما طرحَتْه سلطنة عُمان لاعتماد ميثاق شرف إعلامي بين دول مجلس التَّعاون الخليجي، وقد طالبنا في مقال سابق على هذه الصحيفة الغرَّاء (الوطن) في عام (2020)م باعتماد ميثاق شرف إعلامي خليجي عبر مقال سابق ( https://share.google/LETeoArdFU9nPhTPD )، ولا شك أنَّ تجنُّب التَّصعيد الإعلامي لا يعني تقييد حُريَّة التَّعبير، ولا يعني الصَّمت عن قضايا الأُمَّة، إنَّما هو الدَّعوة إلى التَّحلِّي بالوعي والمسؤوليَّة، وعدم الانجرار إلى سجالات تُحوِّل الاختلاف السِّياسي إلى خصومة، وتسوِّق للكراهية بين الشعوب. لذا فإنَّ الموقف الوطني والعروبي المسؤول يعمل على ما يخدم القضايا العربيَّة لا ما يشعلها.

الأزمات الَّتي تعصف بالمنطقة العربيَّة بين الأشقَّاء ليست بحاجة إلى مزيدٍ من التَّأجيج. فالموقف الوطني والرَّأي الرَّصين يكمن في وضوح المبادئ، وحماية المصالح، وصيانة الاستقرار الدَّاخلي، ودعم كل جهد جادٍّ يُخفِّف معاناة الشعوب، ويحوِّل دون اتِّساع دائرة الصِّراع. لذا فإنَّ توخِّي الحذر على وسائل الإعلام اليوم يُعَدُّ أكثر أهميَّة، فالحذر من زيادة الانقسام، وتجنُّب الاصطفاف والاستقطاب الضَّار.

المنطقة لا تحتمل المزيد من الحرائق، وشعوبها ليست بحاجة إلى مزيدٍ من التَّعبئة المتبادلة، بل إلى إرادة سياسيَّة ينشدها صنَّاع القرار تُعِيد الاعتبار للحوار، وتمنح الوسطاء فرصة حقيقيَّة لتحقيق السَّلام وتجنُّب الشعوب المآسي، وتضع المصالح الإنسانيَّة والاستقرار الإقليمي فوق كل الحسابات. وهنا فإنَّ مسؤوليَّة النُّخب الإعلاميَّة والفكريَّة والسياسيَّة تتصدر اليوم أكثر من أيِّ وقت مضى لِنَشْرِ الوعي، وتجنُّب الانقسامات. ولا شك أنَّ الانتصار للسَّلام يتطلب الحكمة، وعدم تَبنِّي مواقف منحازة لأيِّ طرف طالما أنَّ المُشْكلة في البيت العربي الواحد. لذا فإنَّ الصَّمت قد يكون حكمة حين تتراجع لُغة العقل وتتقدم لُغة الفتنة، فيصبح ضبط الخِطاب واجبًا وطنيًّا وعروبيًّا وإنسانيًّا. حفظ الله هذا الوطن العربي الكبير من سُوء الفِتَن ما ظهر منها وما بطن.

خميس بن عبيد القطيطي

[email protected]