الأربعاء 28 أكتوبر 2026 م - 17 جمادى الأولى 1448 هـ
أخبار عاجلة

سيكولوجية العلاقات الإنسانية: بين البناء الإيجابي وفن إدارة الاستنزاف

سيكولوجية العلاقات الإنسانية: بين البناء الإيجابي وفن إدارة الاستنزاف
الأربعاء - 28 أكتوبر 2026 02:55 م

د.علي بن سالم السيفي

10

تُعَدُّ العلاقات الإنسانيَّة الرَّكيزة الأولى لاستقرار المُجتمعات وتطوُّرها. فالإنسان بطبعه كائن اجتماعي يتنقل بين أدوار مُتعدِّدة تتطلب مرونةً عالية لضمانِ نجاحه واستقراره. وتتشابك هذه العلاقات في أبعادها المختلفة؛ فبينما ترتكز العلاقات الأُسريَّة على الاحترام والتَّقدير والأمان النَّفْسي، فبيَّن سبحانه أنَّ العلاقات الزوجيَّة تنبني على ما امتنَّ به من طمأنينة وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً[الروم: (21)]، وإدارة الخلافات بحكمة، في حين تقوم العلاقات العلميَّة والعمليَّة على الأمانة والنَّصيحة، والأمْر بالمعروف، وتقبُّل النَّقد البنَّاء. وفي هذا السِّياق، يرى علماء النَّفْس أنَّ الذَّكاء العاطفي يُمثِّل حجر الأساس في إنجاح العلاقات كافَّة؛ لقدرته على إدارة الانفعالات بحكمة. وتتجلَّى الجوانب الإيجابيَّة للرَّوابط الصِّحيَّة فيما يُعرف بـ»التَّنظيم الانفعالي المشترك»، حيث تُسهم في خفض مستويات «هرمون الكورتيزول» المسؤول عن الإجهاد، وتحفيز إفراز «الأوكسيتوسين» الذي يُعزِّز الشُّعور بالأمان والاستقرار. وتُؤكِّد التَّجربة العلميَّة الأطول في تاريخ الطَّب النَّفْسي «دراسة هارفارد لتطوُّر البالغين» الَّتي تتبعت حياة مئات الأشخاص لأكثر من ثمانين عامًا، أنَّ جودة العلاقات الاجتماعيَّة هي التَّنبؤ الأوَّل بالسَّعادة والصِّحَّة الطَّويلة، وأنَّها تحمي الدِّماغ من الشيخوخة المبكرة؛ فالعلاقات القائمة على الدَّعم المتبادل تُعَدُّ محفِّزًا أساسيًّا لـ»لنُّمو النَّفْسي بعد الصَّدمات»، إذ يساعد وجود بيئة داعمة الفرد على إعادة بناء مرونته النَّفْسيَّة وتطوير مهاراته. ولا يقتصر هذا الأثَر النَّفْسي والسُّلوكي على الأفراد وحسب، بل يمتدُّ لِيشملَ الدوَل والشُّعوب بوصفها كائنات حيَّة تتأثر نفسيَّتها الجمعيَّة وإنتاجيَّتها. وتتجلَّى التَّجربة الإيجابيَّة للدوَل في سياق «النُّمو النَّفْسي الجمعي بعد الصَّدمات»، كما حدَث في رواندا بعد عام (1994)؛ إذ نجحت من خلال تفعيل آليَّات المصالحة الوطنيَّة و»التَّنظيم الانفعالي المشترك» في لملمة جراح إبادة جماعيَّة مريرة، وتحويل المُجتمع من حالة التَّمزُّق النَّفْسي إلى واحة من الأمن والاستقرار والإنتاجيَّة. وفي المقابل، تبرز التَّجربة السلبيَّة للدوَل عندما تُحاصَر الشُّعوب في بيئات سياسيَّة واقتصاديَّة سامَّة تأخذ ولا تعطي، كدوَل الكتلة الشَّرقيَّة قَبل سقوط جدار برلين؛ حيث وُضعت المُجتمعات بين مطرقة الحاجة الماديَّة وسندان الألَم والكبت النَّفْسي، ما قاد بحسب عِلم النَّفْس السِّياسي إلى حالة من «العجز المتعلم الجمعي» وتآكل الإنتاجيَّة، حتَّى انهارت تلك المنظومات من الدَّاخل. وإلى جانب تقلُّبات العلاقات المستمرَّة، يدرس عِلم النَّفْس بعُمق تجارب الانفصال الجسدي والنَّفْسي الحادَّة كالطَّلاق، والانتقال الصَّادم، والغربة والهجر؛ إذ يصنِّفها كنَوع من «الفقد والحداد النَّفْسي» الَّذي يزعزع الأمان النَّفْسي. إنَّ الابتعاد عن البيئة المألوفة أو تمزُّق الرُّوابط الوثيقة يضع الإنسان في مواجهة مباشرة مع مشاعر الاغتراب وفقدان الهُوِيَّة المؤقت، ممَّا يتطلب تفعيل آليَّات «المرونة التَّكيُّفيَّة». ومن منظور نفسي، فإنَّ تجاوز هذه الأزمات لا يعتمد على النِّسيان، بل على إعادة بناء المعنى، وتقبُّل التَّغيير كفرصة لإعادة اكتشاف الذَّات، وصناعة الاستقلاليَّة وفرصة للخبرة، وتحويل ألم الانفصال إلى قوَّة دافعة للاعتماد على النَّفْس. وفي المقابل، يفرض واقع الحياة مواجهة الوجْه المُظلم للرَّوابط البشريَّة؛ حيث تبرز أولًا علاقات المصلحة المؤقَّتة الَّتي تنتهي بنهاية المنفعة وتتطلب تقبُّلًا لطبيعتها العابرة ودون رفع سقف التَّوقُّعات العاطفيَّة والانهيار النَّفْسي. ولِتدومَ العلاقات وتتجاوز مآزق الاختلاف والنِّزاع، رغَّب الحقُّ سبحانه فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [الشورى: (40)]، كما أثنى الحقُّ سبحانه على وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاس وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران: (134)]. ولأنَّ الشَّريعة ميزان قوامُه العدل، فقد ضَمن الحقُّ سبحانه رد المظلمة دون اعتداء لِتدومَ العلاقات على التَّوازن (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيل)ٍ [الشورى: (41)]. بَيْدَ أنَّ هذا الاستغلال قد يتَّسع لِيصبحَ بيئة عمل سامَّة لا تُعِين الموظَّف على التَّعايش، بل تكون وبالًا قائمة على النَّقد الهدام والمحسوبيَّة وغياب التَّقدير والاستغلال، ويحلِّل عِلم النَّفْس هذا الوضع بوصفه مأزقًا سيكولوجيًّا خطيرًا يضع النَّفْس بين مطرقة الحاجة الماديَّة وسندان الألَم النَّفْسي اليومي.

إنَّ هذا الحصار العاطفي يدفع الفرد إلى حالة من «الاحتراق المهني» لِيتعدَّى أثَره إلى اضطرابات جسديَّة ونفسيَّة مزمنة كالقلق وفقدان الشَّغف التَّام. ويرى الخبراء أنَّ الاستمرار في هذه البيئات دون تفعيل آليَّات الحماية كالفصل المشاعري بين الهُوِيَّة الشَّخصيَّة والوظيفة، يؤدِّي إلى تآكل تقدير الذَّات والشُّعور بالعجز، ممَّا يجعل التَّخطيط الواعي للخروج منها ضرورة صحيَّة ملحَّة لإنقاذ ما تبقَّى من الاتِّزان النَّفْسي. ومن النَّاحية النَّفْسيَّة السُّلوكيَّة، يمتدُّ هذا التَّأثير السّلبي إلى العلاقات السَّامَّة القائمة على التَّلاعب والمنفعة، والَّتي يفسِّرها عِلم النَّفْس كشكلٍ من أشكال «الاستنزاف العاطفي والنَّرجسي» حيث يعتمد المستغِل على إضعاف تقدير الآخر لذاته لإبقائه في حالة «اعتماديَّة مَرضيَّة». ولإثبات هذا الأثَر المدمِّر، أجرتِ الباحثة المكسيكيَّة «مارتا ليفا» تجارب سلوكيَّة كشفت فيها أنَّ التَّعرُّض المستمرَّ للنَّقد والتَّلاعب العاطفي يفرز حالة من «العجز المتعلم»، حيث يفقد المتضرِّر قدرته على اتِّخاذ القرارات، ويُصاب بالخمول الذِّهني نتيجة استهلاك طاقته في الدِّفاع النَّفْسي، ممَّا يؤدِّي سيكولوجيًّا إلى «الإنهاك النَّفْسي» وتلاشي الهُوِيَّة الشَّخصيَّة تحت وطأة الشُّعور بالذَّنْب المزمن. وهذه المسألة أشدُّ تعقيدًا في علاقات الرَّحم المؤذية لجمعها بين واجب الصِّلة ووجود الأذى، ممَّا يفرض على المرء موازنة دقيقة تعتمد على صلة الرَّحم بالحدِّ الأدنى الَّذي يمنع القطيعة، مع الحفاظ على مسافة آمنة، بما يحمي اتِّزان النَّفْس ويُحقِّق مرضاة الله. لذلك، فإنَّ عِلم النَّفْس يُشدِّد على مفهوم «الحدود النَّفْسيَّة الآمنة»؛ إذ لا يعادل النُّضج النَّفْسي تحمُّل الأذى أو التَّضحيَّة بالذَّات، بل يتطلب امتلاك شجاعة الحزم بلُطف، وتقنين التَّواصل، لحماية التَّوازن النَّفْسي والعقلي للفرد، مؤكدًا أنَّ حماية الذَّات هي الخطوة الأولى والضروريَّة لتمكينِها من العطاء والبناء. وفي قصَّة المؤاخاة بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع ـ رضي الله عنهما ـ؛ فعندما هاجر عبد الرحمن إلى المدينة مجرَّدًا من ماله، ضرب سعد أروع أمثلة قائلًا: «أنا أكثر الأنصار مالًا، فأقسم مالي نصفين»، وبالمقابل، ضرب عبد الرحمن أرفع معاني العفَّة والكرامة بردِّه البليغ: «بارك الله لك في أهلك ومالك، دلّوني على السُّوق»، فتاجر واعتمد على نفسه حتَّى فتح الله عليه. وفي التُّراث العُماني، تتجلَّى قِيَم الإيثار والتَّعفُّف في سِيرة الإمام الصَّلت بن مالك الخروصي؛ إذ رُوي أنَّ رجلًا أصابته فاقة فقصَد رجلًا موسرًا يطلب عونًا، فاعتذر الموسر لضيقٍ يمرُّ به، فتعفَّف الفقير وصبر عزَّةً ونفسًا. ولمَّا عَلم الإمام الصَّلت بحالهما، وجَّه بعطاءٍ وافر للفقير من بيت المال مكافأةً على عفَّته، وأصلح بين قلوبهما ماديًّا ونفسيًّا لِيزيلَ شحناء الضِّيق، مجسِّدًا كيف يتدخل المُجتمع الرَّاشد لاحتواء النِّزاع، وتثبيت قِيَم الأمان النَّفْسي والتَّكافل اللَّطيف. لهذا تذكَّروا أن تكونَ على علاقتكم قائمة على وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة: (2)].

د. علي بن سالم السيفي

[email protected]