السبت 31 أكتوبر 2026 م - 20 جمادى الأولى 1448 هـ
أخبار عاجلة

ليست حرب نهاية العالم

ليست حرب نهاية العالم
الأربعاء - 28 أكتوبر 2026 02:44 م

د.أحمد مصطفى أحمد

10

شاركتُ قَبل أيَّام في برنامج تلفزيوني لِمُدَّة ساعة مع ضيوف من باريس والدوحة والقاهرة حول استراتيجيَّة الجاهزيَّة الأوروبيَّة الموَحَّدة ودعوة بريطانيا الأُسر للاحتفاظ بمخزون يكفيها لِمُدَّة ثلاثة أيَّام تحسبًا للطوارئ. وطغى على النقاش إحساس عام بأنَّنا مقبلون على أزمة «نهاية العالم» بسبب تلك التَّوجيهات التَّقليديَّة وخطط الطَّوارئ للأزمات الموجودة منذ سنوات. لذا، ذكرتُ أنَّه إذا قامت حرب عالميَّة فكل تلك الاستعدادات لن تفيدَ في شيء. مع ذلك، ركَّز المشاركون على الحروب والأزمات الجيوسياسيَّة الَّتي يُمكِن أن تؤدِّيَ إلى تفجُّر صراع واسع النطاق يُهدِّد أوروبا كلَّها وغيرها. قد يتفهَّم المرء حالة «الذُّعر» الَّتي تصيب النَّاس حين يركِّز الإعلام على مثل تلك الخطط والاستراتيجيَّات المتعلقة بجاهزيَّة الاستجابة للطوارئ. لذا، من المُهمِّ التَّأكيد على أنَّ تلك الخطط موجودة طوال الوقت، ويتمُّ تحديثها والتَّوعية بها كل حين في مناسبات تتعلق بالرَّصد والتَّوقع لبعض الظَّواهر الطَّبيعيَّة، أو احتمالات زيادة المخاطر من هجمات إليكترونيَّة، أو انتشار أوبئة أو ما شابَه.

على سبيل التَّوضيح، فإنَّ الاستراتيجيَّة الأوروبيَّة للجاهزيَّة الموَحَّدة، الَّتي شهدت آخر تحديث في ربيع العام الماضي، تركِّز أساسًا على تعزيز قدرات التَّوقُّع والتَّنبؤ والوقاية والتَّحرك للدَّعم والإنقاذ في حالات الكوارث البيئيَّة ومخاطر الهجمات الإليكترونيَّة وانتشار الأوبئة، بالإضافة إلى المخاطر الجيوسياسيَّة. تتضمن الاستراتيجيَّة ثلاثين بندًا، منها ما يتعلق باستعدادات فِرق المراقبة والوقاية والإنقاذ وما يتعلق بتوعية النَّاس بالتَّحسُّب للأزمات الطَّارئة بالاحتفاظ بكميَّات من الطَّعام الَّذي لا يحتاج للطَّهي والمياه وبطاريَّات الكهرباء والنُّقود السَّائلة، وغيرها، تكفي لِمُدَّة ثلاثة أيَّام. حاولتُ خلال النِّقاش التَّفرقة بين استعدادات الدوَل للطَّوارئ بالحفاظ على مخزون استراتيجي من السِّلع والأدوية والوقود وغيرها يكفي لأشْهُر، وبين استراتيجيَّات الطَّوارئ الَّتي تطلب من النَّاس الاستعداد. وإن كل ذلك ليس لأنَّ «الحرب على الأبواب» وإنَّما تحسبًا لأزمات مثل وباء كورونا العالمي قَبل سنوات قليلة.

الواقع أنَّه منذ وباء كورونا اكتشفت أغلب دوَل العالم أنَّ خططها للطوارئ ليست كافية وليست بفعاليَّة جيِّدة. منذ ذلك الحين بدأ تحديث تلك الخطط والاستراتيجيَّات والتَّركيز على إشراك النَّاس العاديَّة فيها. لا يقتصر الأمْر على أوروبا وبريطانيا، إنَّما هو موجود في كل بلاد الدُّنيا، خصوصًا تلك الأكثر عرضةً للزلازل المسبِّبة للتسونامي والفيضانات والعواصف العاتية والحرائق، وغيرها من الكوارث الطَّبيعيَّة الَّتي زادت حدَّتها في الآونة الأخيرة بسبب التَّغيُّر المناخي. في السَّابق، كانت أجهزة الحماية المَدنيَّة وفِرق الإنقاذ والطَّوارئ تأخذ وقتًا أقلَّ للوصول إلى المناطق المنكوبة وإغاثة سكَّانها. مع تَدَهْوُر الأوضاع الاقتصاديَّة وخفضِ الميزانيَّات الحكوميَّة زادت مُدَّة الاستجابة من تلك الإدارات والأجهزة، فأصبحت التَّوعية أن تحتفظَ الأُسر بمخزونات طوارئ لِمُدَّة أطول، خصوصًا في بعض المناطق البعيدة الَّتي قد تؤدِّي الظَّروف الطَّبيعيَّة مثل هبوط الثلوج بكثافة إلى انقِطاع الكهرباء والغاز وطُرق المواصلات وتعطُّل أغلب الخدمات. فحتَّى تصلَ فِرق الإنقاذ وإمدادات الطَّوارئ تحتاج الأُسر في تلك الأماكن إلى تخزين احتياجات أساسيَّة تكفيها لفترة. ومؤخرًا، زادت تلك الفترة كجزء من تحميل الحكومات للمواطنين قدرًا من جاهزيَّة الاستعداد للطَّوارئ والأزمات.

ليس في الأمْر ما يستدعي الذُّعر، ولا دفع النَّاس نحو الشِّراء المجنون للاحتياجات بما يؤدِّي إلى أزمة نقص معروض من السِّلع الضروريَّة. فالمفترض أنَّ النَّاس بطبيعتها تتحسب تاريخيًّا لأيِّ طوارئ. إذ لا يوجد بيت إلَّا وبه قدر من الاحتياطي حسب قدرة الأُسرة، طوال الوقت. وهذا منذ قديم الزَّمن حين كان المزارع «يخزن» جزءًا من محصول حصاده للمستقبل، وتدخِّر البيوت في الحضر بعض الأساسيَّات لحين الحاجة. أمَّا ما تدعو إليه استراتيجيَّات الجاهزيَّة للطَّوارئ من قِبل الحكومات فهو مجرَّد تأكيد على ذلك تحسبًا للأزمات، وأغلبها طبيعيَّة، حيث قد يصعب حتَّى أن يتشاركَ النَّاس ما لديهم لصعوبة التَّواصل، خصوصًا في الكوارث الطَّبيعيَّة من أعاصير وفيضانات وعواصف ثلجيَّة. أمَّا في حالات الحروب، فهناك خطط أخرى تعتمد بالأساس على أجهزة الدَّولة المعنيَّة وسلامة النِّظام الإداري للبلد المعني وقدرته على إدارة المخزونات الاستراتيجيَّة من السِّلع والاحتياجات الضروريَّة.

صحيح أنَّ الحروب تؤثِّر في سلاسل الإمداد، أي مشاكل في تجارة الحبوب والطَّاقة والدَّواء وغيرها. لكن مرَّة أخرى، ذلك أمْر خارج نطاق ما يُثار في الإعلام الآن بشأن الاستراتيجيَّة الأوروبيَّة للجاهزيَّة الموَحَّدة الَّتي تعني مراجعتها وتحديثها بالأساس تشارك المعلومات والبيانات ونماذج التَّحليلات المناخيَّة، واستخبارات توقُّعات الهجمات الإلكترونيَّة، وأحدَث معلومات الأبحاث العلميَّة الَّتي ترصد احتمالات الأوبئة وما شابَه. فضلًا عن تعزيز الخطط المسبقة للتَّعاون المَدني العسكري في حالات الطَّوارئ واشتراك القِطاع الخاص في جهود مواجهة تلك الأزمات. أمَّا الجزء المتعلق بالنَّاس، وهو توعية الأُسر بالاحتفاظ بإمدادات تكفي ثلاثة أيَّام، فهو أشْبَه بتحذيرات الطَّقس اليوميَّة: «جو ماطر، ينصح بحمل مظلَّة عند الخروج» أو «انخفاض متوقع في درجات الحرارة فينصح بارتداء ملابس ثقيلة». أتمنَّى أنَّ مساهمتي في النِّقاش ـ على قدر الوقت الذي أُتيح لي ـ قد أوصلت تلك الفكرة للمتابعين. ففي النِّهاية ليس لدينا هنا في بريطانيا «شراء ذعر» للمواد الأساسيَّة لتخزينِها رغم توقُّعات الطَّقس بعدَّة عواصف قادمة غير الَّتي شهدناها قَبل أيَّام.

د.أحمد مصطفى أحمد

كاتب صحفي مصري

[email protected]