الأحد 01 نوفمبر 2026 م - 21 جمادى الأولى 1448 هـ
أخبار عاجلة

سلطنة عُمان تصنع بوابة استثمارية جديدة

سلطنة عُمان تصنع بوابة استثمارية جديدة
الأربعاء - 28 أكتوبر 2026 02:53 م

جودة مرسي

30

دروس جديدة تعطيها السِّياسة العُمانيَّة في كيفيَّة التَّعامل بين الدوَل وتنمية جسور المصالح المشتركة بينها من أجلِ تنمية الإنسان ورفاهيَّته. وهذه ثمار قليلة من الانطباع عن الزِّيارات السَّامية لحضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ والَّتي تمتدُّ آثارها إلى ما بعد انتهاء المراسم وتوقيع الاتفاقيَّات. فالمشهد يكشف عن اتِّجاه يستحق التَّأمُّل، حين توظّف العلاقات السياسيَّة لبناء شراكات استثماريَّة، ثم توسيع هذه الشَّراكات من الإطار الثنائي إلى نطاق إقليمي أرحب، من الاتِّفاق السِّياسي إلى الأداة الاستثماريَّة، فتتحول الثِّقة الدوليَّة إلى قوَّة اقتصاديَّة عابرة للحدود، مترجمة إحداها بأنَّ أهميَّة نجاح جهاز الاستثمار العُماني في قيادة تحالف دولي لتأسيس صندوق آسيا الوسطى والقوقاز في الرَّقم المستهدف، البالغ نحو (192.2) مليون ريال عُماني، أي بما يعادل (500) مليون دولار أميركي، بقدر ما تكمن في طبيعة الدَّوْر الَّذي تؤدِّيه سلطنة عُمان في صياغة خريطة الاستثمار الإقليمي والدّولي، فنحن أمام تحرُّك يتجاوز توظيف الأموال إلى بناء منصَّة استثماريَّة تجمع صناديق الثَّروة السياديَّة والمؤسَّسات الماليَّة والمستثمرين الاستراتيجيين، وتوجّه رؤوس الأموال نحو منطقة تمتلك موارد طبيعيَّة واسعة، وموقعًا جغرافيًّا بالغ الأهميَّة، وفرصًا متنامية في قِطاعات الاقتصاد الحقيقي. بالإضافة إلى أنَّه من المقرَّر توقيع اتِّفاق تأسيس الصُّندوق رسميًّا مطلع نوفمبر المقبل، على أن تتولَّى إدارته شركة عُمانيَّة بقيادة كوادر وطنيَّة، في خطوةٍ تُعزِّز الحضور المؤسَّسي للسَّلطنة في الأسواق المستهدفة. والمثير والمدهش هنا والذي يستحق الانتباه: إنَّها الجغرافيا الَّتي تعود إلى قلب الاقتصاد لِتكتسبَ آسيا الوسطى والقوقاز أهميَّة متزايدة في ظلِّ إعادة تشكيل طُرق التَّجارة الدوليَّة، وتنامي الحاجة إلى تنويع مسارات نقل الطَّاقة والسِّلع، وتوسيع الشَّراكات الاقتصاديَّة بعيدًا عن الاعتماد على الأسواق التَّقليديَّة، وتضمُّ الأسواق المستهدفة دولًا مثل كازاخستان وأوزبكستان وأذربيجان وقيرغيزستان وطاجيكستان، وهي دول تجمع بين الموارد الطَّبيعيَّة، والاحتياجات التَّنمويَّة، والفرص المتاحة في البنية الأساسيَّة والخدمات والصِّناعات المرتبطة بالإنتاج، بالإضافة إلى بُعدها عن التَّقلُّبات السياسيَّة الدوليَّة. وتُشير البيانات المنشورة بشأن الصُّندوق إلى أنَّ الأسواق الخمس تضمُّ أكثر من (86) مليون نسمة، كما سجَّلت اقتصادات المنطقة نموًّا ملحوظًا خلال عام (2025). وهي معطيات تمنح الاستثمار طويل الأجل فرصًا مهِمَّة. وهنا تظهر أهميَّة الصُّندوق في تحويل الفرص المتفرقة إلى محفظة استثماريَّة منظَّمة، تستطيع توزيع المخاطر، والاستفادة من اختلاف الموارد والاحتياجات بين دولة وأخرى.

إنَّ الانتقال من دَوْر المستثمر المنفرد إلى دَوْر الشَّريك الَّذي يستطيع جمع المستثمرين وتنسيق مصالحهم، هو الإنجاز، حيث يقود جهاز الاستثمار العُماني تحالفًا يضمُّ مؤسَّسات ماليَّة من دول وأسواق مختلفة، معزّزًا بموقع السَّلطنة في شبكة العلاقات الاقتصاديَّة الدوليَّة، ويمنحها فرصة للمشاركة في تحديد اتِّجاهات الاستثمار، لا مجرَّد استقبال نتائجها. وتتَّضح هذه الأهميَّة بصورة أكبر عندما نعرف أنَّ الصُّندوق يستهدف قِطاعات تشمل الخدمات اللوجستيَّة والطَّاقة المُتجدِّدة والتَّعدين والغذاء والزِّراعة والرِّعاية الصِّحيَّة. فهذه ليست قِطاعات ماليَّة معزولة، بل مجالات ترتبط مباشرةً بأمنِ الإمدادات، والتَّنمية الصِّناعيَّة، وتطوير البنية الأساسيَّة. وبذلك تستطيع سلطنة عُمان الجمع بين خبرتها اللوجستيَّة وموقعها البحري وشبكاتها التَّجاريَّة من جهة، والموارد والفرص المتاحة في آسيا الوسطى والقوقاز من جهة أخرى. إنَّ المكسب الحقيقي يتجاوز العائد المالي إلى فتحِ أسواق جديدة أمام الشَّركات العُمانيَّة، لِتستفيدَ من الفرص المتاحة في مجالات النَّقْل والخدمات اللوجستيَّة والتَّعدين والطَّاقة. وإذا نجح الصُّندوق في تحويل رؤوس الأموال إلى مشروعات منتِجة، فإنَّ العائد لن يقتصرَ على الأرباح المحقَّقة، بل قد يشمل نقل المعرفة، وتوسيع أعمال الشَّركات الوطنيَّة، وبناء شراكات طويلة الأجلِ، وفتح مسارات جديدة للتِّجارة والاستثمار. وتتَّضح الصُّورة أكثر إذا وضعنا الصُّندوق ضِمن المسار الأوسع لجهاز الاستثمار العُماني، الذي تتجاوز أُصول محافظه الاستثماريَّة (23) مليار ريال عُماني، وفقًا للبيانات المنشورة. فالتَّنويع هنا لا يعني توزيع الأموال على بُلدان مختلفة فقط، بل بناء شبكة من الشَّراكات تُتيح للسَّلطنة تنويع مصادر العائد، والوصول إلى أسواق جديدة، وتعزيز قدرتها على التَّعامل مع التَّحَوُّلات الاقتصاديَّة العالميَّة. إنَّ سلطنة عُمان لا تبحث في آسيا الوسطى والقوقاز عن استثمارات جديدة فحسب، بل تعمل على بناء موقع اقتصادي يربط رأس المال بالفرص، والجغرافيا بالتِّجارة، والشَّراكات الدوليَّة بالتَّنويع الوطني. وهنا تكمن دلالة الخطوة: أن تتحولَ الثِّقة الَّتي يحظى بها جهاز الاستثمار العُماني إلى منصَّة مشتركة، تستطيع من خلالها السَّلطنة توسيع حضورها الاقتصادي، وصناعة فرص تتجاوز حدودها الجغرافيَّة، من دون أن تفقدَ البوصلة الأساسيَّة لاستثماراتها، وهي خدمة المصالح الوطنيَّة، وبناء عوائد مستدامة للأجيال القادمة.

جودة مرسي

[email protected]

من أسرة تحرير «الوطن»