الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 م - 16 جمادى الأولى 1448 هـ
أخبار عاجلة

رحاب : كيف تتحدث إلى عقلك؟

رحاب : كيف تتحدث إلى عقلك؟
الثلاثاء - 27 أكتوبر 2026 02:57 م

د ـ أحمد بن علي المعشني

في عام 2015م، أصدرت كتابًا بعنوان: «كيف تتحدث إلى عقلك؟»، وجعلت محوره وعي الإنسان باللغة التي يخاطب بها نفسه؛ بالكلمات التي يرددها، والأفكار التي يسترسل معها، والمعاني التي يمنحها لتجاربه.

وما زلتُ أرى أن هذا السؤال يستحق أن نتوقف عنده: كيف نتحدث إلى عقولنا؟ وهل يمنحنا حديثنا الداخلي فرصة للنمو، أم يعيدنا إلى دوائر الخوف والإحباط؟ نحن نهتم كثيرًا بما يقوله الآخرون عنا، وقد تؤلمنا كلمة عابرة نسمعها من أحدهم، لكننا قد لا نلتفت إلى كلمات أشد قسوة نكررها على أنفسنا كل يوم: «أنا لا أستطيع»، «لن أنجح»، «لقد فات الأوان».

ومع التكرار، قد نألف هذه الأحكام حتى نتعامل معها كأنها حقائق ثابتة، ونغفل عن أنها تفسيرات قابلة للمراجعة.

أنت تخاطب عقلك حين تفكر، وحين تتحدث إلى نفسك، وحين تكتب خواطرك ومشاعرك.

وقد يكون تفكيرك كلمات، وقد يأتي في صور وذكريات وتوقعات.

وفي كل ذلك، يتشكل جانب من علاقتك بذاتك وبالعالم من حولك.

فكيف تصف ما مررت به؟ هل تقول: «لقد تعثرت في هذه التجربة»، أم تقول: «أنا إنسان فاشل»؟ بين العبارتين فرق كبير؛ الأولى تصف حدثًا، والثانية تحوِّل الحدث إلى حكم على الإنسان كله.

وتأتي بعض أفكارنا بصورة تلقائية، تستثيرها مواقف الحاضر بما تحمله من صلة بتجارب الماضي.

قد يوقظ موقف صغير ذكرى مؤلمة، فنستعيد معها الخوف أو الشعور بالعجز.

وليس ظهور الفكرة دليلًا على صحتها، ولا مرورها في الذهن يعني أننا اخترناها أو رضينا بها.

لكن بإمكاننا أن نتعلم كيف نستجيب لها، وما المساحة التي نمنحها من انتباهنا.

وهنا يبدأ الوعي: أن تتوقف قليلًا وتسأل نفسك: ماذا أقول الآن؟ وما الدليل على هذا الحكم؟ وهل توجد قراءة أخرى للموقف، أكثر عدلًا وواقعية؟ يمكنك أن تكتب الفكرة التي أزعجتك، ثم تتأملها كما لو أنَّ صديقًا عزيزًا جاءك بها.

فهل ستخاطبه بالقسوة نفسها التي تخاطب بها نفسك؟ ومن هذا المنطلق، تكون للتأكيدات الإيجابية قيمة حين تكون صادقة، واقعية، ومرتبطة بالفعل.

تستطيع أن تقول: «أتعلم كيف أواجه هذا الموقف»، أو«يمكنني أن أبدأ بخطوة صغيرة»، أو«أخطأت، وأستطيع أن أصلح ما أقدر عليه»، هذه اللغة تمنحك اتجاهًا تتحرك نحوه، وتترك لك حق التعب والتعلم وطلب المساندة.

وللحديث مع النفس بعد روحي أيضًا؛ حين تستحضر معية الله، وتدعو، وتذكر، وتحسن الظن بربك، تجد كلمات تعبِّر بها عن الرجاء: «يا رب، أعنِّي واهدني»، «سآخذ بالأسباب وأتوكل عليك».

ويصبح هذا الرجاء أعمق حين يصاحبه سعي، وصبر، ورحمة بالنفس وبالآخرين.

لسنا مطالبين بمراقبة كل خاطر، أو بمحاربة كل فكرة مزعجة؛ فذلك قد يزيدنا إرهاقًا.

ما نحتاج إليه أن ننتبه إلى الأنماط التي تتكرر وتؤذينا، وأن نتدرَّب على خطاب داخلي أكثر إنصافًا.

والصحة النفسية تتأثر بعوامل متعددة، لكن طريقة حديثنا إلى أنفسنا جانب يستحق الرعاية.

تأمل اليوم الكلمات التي تقولها لنفسك عند الخطأ، وعند التعب، وقبل أن تبدأ عملًا جديدًا.

اختر منها ما يُساعدك على الفهم والعمل، وراجع ما يسلبك الأمل.

فعقلك يستحق منك حديثًا صادقًا رحيمًا؛ حديثًا يعترف بما أنت فيه، ويفتح أمامك بابًا لما تستطيع أن تصبح عليه.

د. أحمد بن علي المعشني 

 رئيس أكاديمية النجاح للتنمية البشرية