تُؤكِّد الرُّؤية التي طرحها معالي السَّيد بدر بن حمد البوسعيدي، وزير الخارجيَّة، خلال محاضرته في جامعة كامبريدج بالمملكة المُتَّحدة، بشأن الأمن الشَّامل في الخليج، عُمق النَّهج الذي تتبعه سلطنة عُمان في التَّعامل مع القضايا الإقليميَّة، والقائم على الحوار والتَّفاهم وبناء الثِّقة بين الدول، انطلاقًا من إدراكها أنَّ أمْن المنطقة واستقرارها مسؤوليَّة مشتركة، وأنَّ ما تواجهه من تحدِّيات سياسيَّة وأمنيَّة يستدعي تعاون جميع الأطراف المعنيَّة لمعالجتها؛ فقد حمل تأكيد معاليه على ارتباط أمن سلطنة عُمان بأمن محيطها الإقليمي دلالة مهِمَّة على طبيعة الرُّؤية العُمانيَّة التي تنظر إلى استقرار دول الخليج باعتباره مصلحة جماعيَّة تتجاوز حدود كل دولة، وتقوم على احترام السِّيادة وحُسن الجوار، وتسوية الخلافات بالوسائل السلميَّة، وهي مبادئ شكَّلت على مدى عقود أساس السياسة الخارجيَّة العُمانيَّة، وأسْهَمت في ترسيخ علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، بما يُتيح استمرار التَّواصُل وفتح مسارات للحوار حتَّى في ظلِّ التَّباينات السياسيَّة، ويمنح الجهود الدبلوماسيَّة فرصًا أوسع للتَّقريب بين وجهات النَّظر، والبحث عن حلول تحفظ مصالح الجميع.
ولعلَّ ما يُميِّز الطَّرح العُماني أنَّه يستند إلى خبرة عمليَّة في التَّعامل مع الملفَّات الإقليميَّة المعقَّدة، وهو ما أظهرَتْه الجهود التي بذلَتْها سلطنة عُمان في تيسير المفاوضات بين الولايات المُتَّحدة وإيران بشأن البرنامج النووي الإيراني، وما شهدَتْه من تقدُّم مُهمٍّ وفق ما أوضحه معالي السَّيد وزير الخارجيَّة، الأمْر الذي يُؤكِّد أهميَّة استمرار الحوار وإتاحة الفرصة أمام الحلول الدبلوماسيَّة، مهما بلغت صعوبة القضايا المطروحة. كما تظهر المشاورات المتعلقة بوضع ترتيبات مؤقتة لضمانِ حُريَّة الملاحة عبر مضيق هرمز إدراكًا لأهميَّة معالجة القضايا الأمنيَّة من خلال تفاهمات عمليَّة تُراعي مصالح الأطراف المختلفة، خصوصًا أنَّ استقرار الممرِّ البحري الحيوي يرتبط بحركة التِّجارة والطَّاقة وسلاسل الإمداد العالميَّة. ومن هنا تكتسب الدَّعوة إلى بناء الثِّقة وتقديم التنازلات المتبادلة أهميَّتها؛ باعتبارها متطلَّبات ضروريَّة للوصول إلى تفاهمات قابلة للتَّنفيذ، وتجنُّب التَّصعيد الذي قد تمتدُّ تداعياته إلى مختلف دول المنطقة والاقتصاد العالمي.
وتكتسب دعوة سلطنة عُمان إلى إقامة إطار أمني إقليمي شامل يضمُّ دول مجلس التَّعاون لدول الخليج العربيَّة السِّت والعراق وإيران أهميَّة خاصَّة في ظلِّ الحاجة إلى تطوير آليَّات تعاون تُتيح لدول المنطقة تحمُّل مسؤوليَّة أكبر عن أمْنها واستقرارها، مع الاستفادة من الشَّراكات الدوليَّة في دعم هذه الجهود. ويأتي المقترح العُماني بالتَّوَصُّل إلى ميثاق عدم اعتداء بين الدول الثَّماني لِيقدِّمَ أساسًا يُمكِن البناء عليه في تعزيز الثِّقة والحدِّ من احتمالات النِّزاع، وتهيئة الظُّروف لتعاونٍ أوسع في مواجهة التحدِّيات المشتركة. ويمنح استحضار مبادرة مسقط عام (1976)، التي جمعت وزراء خارجيَّة الدوَل الثَّماني لبحثِ ترتيبات الأمن الجماعي، هذا التَّوَجُّه بُعدًا تاريخيًّا يعكس استمراريَّة الرُّؤية العُمانيَّة وحرصها على ترسيخ مفهوم الأمن المشترك؛ فقد أثبتت التَّحَوُّلات التي شهدتْها المنطقة على امتداد العقود الماضية أنَّ التحدِّيات الأمنيَّة لا يُمكِن التَّعامل معها بمعزل عن محيطها الإقليمي، وأنَّ بناء منظومة مستقرَّة يتطلب توافقًا على مبادئ واضحة وآليَّات عمليَّة للحوار والتَّعاون وتسوية الخلافات.
وتتَّسع أبعاد الرُّؤية العُمانيَّة لِتربطَ بين الأمن والاستقرار والتَّنمية الاقتصاديَّة، وهو ما يظهر في تأكيد معالي وزير الخارجيَّة أهميَّة تحويل الشَّراكات الخارجيَّة إلى استثمارات اقتصاديَّة كبرى مع الدوَل الثَّماني المُطلَّة على الخليج، بما يُعزِّز المصالح المتبادلة ويوسِّع مجالات التَّعاون بينها؛ فكلَّما تعمَّقت الرَّوابط التجاريَّة والاستثماريَّة وتزايدت المشروعات المشتركة، اتَّسعت المصالح التي تجمع الدوَل، وتعزَّزت أهميَّة المحافظة على بيئة إقليميَّة مستقرَّة تُتيح استمرار النشاط الاقتصادي وتدفُّق الاستثمارات. وتبرز هنا أهميَّة التَّكامل بين الجهود السياسيَّة والدبلوماسيَّة والمسارات الاقتصاديَّة في بناء منظومة أمنيَّة مستدامة، تستند إلى الثِّقة المتبادلة والمسؤوليَّة الجماعيَّة والمصالح المشتركة، وهو ما يمنح الطَّرح العُماني أهميَّة تتجاوز معالجة التحدِّيات الرَّاهنة إلى استشراف مستقبل تستطيع فيه دول الخليج تطوير علاقاتها على أُسُس أكثر تعاونًا واستقرارًا، بما يخدم مصالح شعوبها ويدعم فرص التَّنمية والازدهار في المنطقة.