الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 م - 16 جمادى الأولى 1448 هـ
أخبار عاجلة

أضواء كاشفة : الشباب العُماني... وصناعة المستقبل

أضواء كاشفة : الشباب العُماني... وصناعة المستقبل
الثلاثاء - 27 أكتوبر 2026 02:56 م

ناصر بن سالم اليحمدي

يُعَدُّ بناء الوطن ـ في جوهره ـ عمليَّة ممتدَّة لبناء الإنسان وتنمية قدراته وتوسيع آفاقه وإعداده لِيكونَ شريكًا فاعلًا في صناعة الحاضر والمستقبل. ومن هذا المنطلق، تتجاوز دلالة يوم الشَّباب العُماني حدود الاحتفاء بما يُحققه الشَّباب من إنجازات لِتفتحَ المجال أمام قراءة أعمق لمسيرة إعداد الأجيال والجهود التي تتضافر لتشكيل وعيها وصقل مهاراتها واكتشاف طاقاتها منذ السنوات الأولى من العمر. فالشَّباب ليسوا مجرَّد فئة عمريَّة تُمثِّل مرحلة من مراحل الحياة، وإنَّما هم طاقة مُتجدِّدة ورصيد وطني تتجدَّد به فرص الابتكار والإنتاج والتطوير. وكلَّما أحسنت المُجتمعات الاستثمار في هذه الطَّاقة ووفّرت لها البيئة المناسبة للنُّمو والمبادرة، ازدادت قدرتها على بناء مستقبل يستند إلى المعرفة والكفاءة والثِّقة بالقدرات الوطنيَّة. ومن هنا، فإن الحديث عن تمكين الشَّباب ينبغي ألَّا يبدأ عند تخرجهم في الجامعات أو التحاقهم بسوق العمل، بل منذ الطفولة؛ حين تتشكل الميول وتتكون القِيَم وتتفتح أسئلة المعرفة وتبدأ ملامح الشخصيَّة في الظهور.

لا شك أن الاستثمار في الإنسان هو الأساس الذي تقوم عليه مختلف مسارات التَّنمية؛ فالموارد مهما تنوعت تظل بحاجة إلى عقول قادرة على توظيفها وكفاءات تستطيع تطويرها وأجيال تمتلك الوعي والمسؤوليَّة لتحويلها إلى قِيمة مضافة للمُجتمع. ولذلك فإن بناء الإنسان لا يمكن اختزاله في التعليم النظامي وحده، بل يتَّسع لِيشملَ الثقافة والوعي والمهارات الحياتيَّة وروح المبادرة والقدرة على التفكير النقدي والعمل الجماعي وتحمُّل المسؤوليَّة.

وفي سلطنة عُمان، تُتيح المبادرات التعليميَّة، والثقافيَّة، والمُجتمعيَّة، والاقتصاديَّة زوايا متعدِّدة للتأمل في هذا المعنى. فعندما تتَّجه الجهود إلى تنمية وعي الطلبة، مثل البرنامج التوعوي الذي نفَّذته المديريَّة العامَّة لحماية المستهلك في مدارس محافظة شمال الباطنة لتوعية الطلاب وبناء جيل واعٍ بحقوقه وواجباته الاستهلاكيَّة، أو تشجيع القراءة، مثل مبادرة «الرستاق تقرأ» التي تُعَدُّ نموذجًا مشرفًا للمبادرات الشَّبابيَّة التي تصنع أثرًا مُجتمعيًّا مستدامًا وتجمع بين نشر المعرفة، ودعم المواهب والمشاريع المحليَّة، وترسيخ ثقافة القراءة، أو إتاحة الفرصة أمام الناشئة لتجربة ريادة الأعمال، مثل «سوق روَّاد الأعمال الصغار» الذي شهد إقبال (25) ألفًا و(700) زائر لدعم (100) من روَّاد الأعمال الناشئين بما يعكس طموح الشَّباب العُماني وقدرتهم على الابتكار، ويُؤكِّد أن الاستثمار في مواهبهم ومنحهم فرصًا عمليَّة اليوم هو أساس صناعة روَّاد أعمال المستقبل، فإن كل هذه الجهود وغيرها تتجاوز النشاط المباشر إلى الإسهام في تكوين شخصيَّة أكثر استعدادًا للتعلم والمشاركة والإنتاج.

فعندما ننظر إلى هذه المبادرات باعتبارها مسارات متكاملة لا أنشطة منفصلة، نجد أن كل مبادرة تضع لبنة في بناء الإنسان. فإحداها تنمِّي المعرفة، وأخرى ترسِّخ السُّلوك المسؤول، وثالثة تفتح أبواب التجربة العمليَّة؛ لِتلتقيَ جميعها عند غاية أوسع تتمثل في إعداد جيل يمتلك أدوات النجاح، ويعرف كيف يوظف قدراته لخدمة نفسه ومُجتمعه ووطنه. وتتجلى حقيقة مهِمَّة: وهي أن إعداد الشَّباب للمستقبل لا يتحقق من خلال مسار واحد، ولا تتولاه مؤسَّسة بعينها، بل يحتاج إلى بيئة متكاملة تتوزع فيها الأدوار بين الدَّولة، والمؤسَّسات التعليميَّة والثقافيَّة، والقِطاع الخاص، والفِرق الشَّبابيَّة، والأُسرة، والمُجتمع.

لا شك أنَّه كلَّما تعزَّز التَّكامل بين هذه المسارات، ازدادت فرص إعداد جيل يجمع بين المعرفة، والمهارة، والقِيَم، والقدرة على الإنجاز. وهذا التَّكامل يضعنا أمام مفهوم أوسع للتمكين. فالتمكين لا يعني أن نفتحَ الأبواب أمام الشَّباب فحسب، بل أن نساعدَهم على اكتساب الأدوات التي تمكنهم من عبورها بثقة وكفاءة. ولا يعني أن نوفر لهم الفرص فقط، بل أن نهيئهم للاستفادة منها ونمنحهم مساحة للتجربة، ونقبل أن التعلم قد يمرُّ بمحاولات غير مكتملة وأخطاء تتحول إلى دروس. فالأهم من انتهاء فعاليَّة المبادرة أو تنفيذها هو ما تتركه من تغيير في السُّلوك والمعرفة والمهارات، وما تفتحه من فرص مستمرة أمام المشاركين. ومن هنا، تبرز أهميَّة تقييم الأثر ومتابعة المستفيدين وتطوير البرامج بناءً على احتياجاتهم، وربط المبادرات قصيرة الأمد بمسارات طويلة الأمد للتعلم والتأهيل والاحتضان، مع الإجابة على أسئلة: ماذا تعلَّم المشاركون؟ وما المهارات التي اكتسبوها؟ وهل أُتيحت لهم فرص لمواصلة التطوُّر؟ وكيف يُمكِن أن تتحولَ التجارب الأولى إلى خطوات متقدِّمة في مساراتهم التعليميَّة والمهنيَّة والمُجتمعيَّة؟ فمثل هذه الأسئلة لا تنتقص من قِيمة المبادرات، بل تساعد على تعظيم أثرها، والانتقال بها من نجاح الفعاليَّة إلى استدامة النتائج.

إنَّ يوم الشَّباب العُماني أصبح مناسبة تتجاوز الاحتفاء بالمنجزات إلى تجديد النظر في مسؤوليَّة إعداد الأجيال، وتأكيد أهميَّة استمرار الاستثمار في الإنسان باعتباره أساس التَّنمية وغايتها. فما توفِّره الدَّولة من فرص، وبرامج، ومبادرات في مجالات التعليم، والثقافة، والابتكار، وريادة الأعمال، يُمثِّل جانبًا مُهمًّا من تهيئة البيئة التي يستطيع الشَّباب النُّمو فيها وإطلاق طاقاتهم. وتكتمل قِيمة هذه الجهود حين تتَّسع المشاركة وتتواصل المبادرات وتربط الفرص باحتياجات الشَّباب وتطلُّعاتهم، وتتاح لهم مساحة حقيقيَّة للإسهام في تطوير مُجتمعاتهم وإشراكهم في مناقشة القضايا التي تمسُّ مستقبلهم وتوفير المسارات التي تساعدهم على الانتقال من مرحلة التعلم إلى مرحلة الإنجاز. فالمُجتمعات التي تمنح أجيالها الجديدة الثِّقة والمساحة للمشاركة تفتح أمام نفسها فرصًا أوسع للتجديد، وتستفيد من أفكار وخبرات تتشكل في عالم سريع التَّحَوُّل.

إنَّ صناعة المستقبل العُماني لا تبدأ غدًا، بل تبدأ اليوم بالاستثمار في الإنسان منذ الصغر وبالإيمان بأنَّ كل فرصة للتعلُّم، وكل مساحة للإبداع، وكل مبادرة لبناء الوعي يمكن أن تكونَ خطوة في إعداد جيل يحمل طموح وطنه ويملك من المعرفة والمهارة والمسؤوليَّة ما يعينه على مواصلة مسيرة التَّنمية وصناعة مستقبل أكثر ازدهارًا واستدامة.

ناصر بن سالم اليحمدي

كاتب عماني