بكُلِّ مشاعر الفخر والاعتزاز، ومن صميم قلوبنا نرفع أسمى آيات التهاني والتبريكات إلى والدنا وقائد نهضتنا المُتجدِّدة جلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم «حفظه الله ورعاه»، بمناسبة تقلُّده وسام الكارتر الملكي البريطانيَّة الذي يُمنح كل (100) عام لشخصيَّة ذات مواصفات راقية ورفيعة وحكيمة. إنَّ هذا التكريم يحمل دلالات تاريخيَّة ومكانة ملكيَّة رفيعة، ويبعث في نفوسنا مشاعر الاعتزاز بما تحظى به سلطنة عُمان بقيادة جلالته الحكيمة من تقدير واحترام على المستوى الدولي. كما نُبارك للشَّعب العُماني الأصيل ولأرض عُمان الطيِّبة هذا الإنجاز الذي نعتزُّ به جميعًا ونراه مصدر فخر لكل عُماني وعُمانيَّة، ودليلًا على المكانة المرموقة التي تتبوأها عُماننا الحبيبة في محيطها الدولي. حفظ الله جلالته وأدام عليه موفور الصحَّة والعافيَّة، وأبقى عُمان شامخةً عزيزةً، تنعم بالأمن والاستقرار والازدهار في ظلِّ قيادته الحكيمة، وأدام أفراح الوطن وأمجاده.
لا يكفي إطلاقًا مقال أو مقالان لتغطية أحداث وفعاليَّات هذه الزِّيارة التاريخيَّة لوالدنا جلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم «حفظه الله ورعاه»، إلى المملكة المُتَّحدة ضمن زيارة «دولة». صراحةً، سوف تدرَّس لدينا في الأكاديميَّة الدوليَّة للدبلوماسيَّة والإتيكيت، بالإضافة إلى المدارس والجهات المتخصِّصة بفنِّ الدبلوماسيَّة ومراسم استقبال كبار الشخصيَّات؛ لِمَا تحتويه من درجة عالية ورفيعة المستوى من التخطيط والتنفيذ والمتابعة. والرجال أو الكادر الذي أشرف على مراسم زيارة «دولة»، لهم منَّا كل الشكر والتقدير، وترفع لهم القبعة من دقَّة التنفيذ، ومتابعة استمرَّت لعدَّة أشْهُر للتحضير لهذه الزيارة التاريخيَّة. فكانوا أبطال المراسم السُّلطانيَّة العُمانيَّة، وكذلك المراسم والتشريفات الملكيَّة البريطانيَّة، يسهرون ليل نهار لتطبيق الخطط المرسومة بكل دقَّة متناهية، ويكاد يكون خطأ صفر في جميع فقرات هذه الزيارة التي استمرَّت أربعة أيَّام بلياليها.
هناك عدَّة أنواع من الزيارات الرَّسميَّة وهي: زيارة دولة، زيارة رسميَّة، زيارة عمل، زيارة عمل قصيرة، زيارة خاصَّة، زيارة أخويَّة، زيارة ثنائيَّة، زيارة رفيعة المستوى، زيارة مُتعدِّدة الأطراف، زيارة سريَّة ذات طابع أمني وعسكري. أهم أدوات جميع الزيارات أعلاه هي التخطيط الدقيق والتنفيذ بدقَّة متناهية، ومتابعة بكفاءة وحرفيَّة ومهنيَّة ضِمن أُطر وأجندة منهجيَّة وأكاديميَّة تعتمد كثيرًا على البرامج التكنولوجيا الحديثة. وأهم كل هذا وذاك هو كادر المراسم والتشريفات الذين يضحون بأوقاتهم والذين يواصلون الليل بالنهار، لكي تنفذَ الفعاليَّة بأرفع درجات التميُّز، وهذا ما حصل في زيارة «دولة» لوالدنا جلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم «حفظه الله ورعاه»، حيث كانت المدرستان (المدرسة البروتوكوليَّة العُمانيَّة، والمدرسة الملكيَّة البريطانيَّة) تعملان ضِمن فريق عمل نموذجي متجانس وراقٍ بكل معاني الدبلوماسيَّة ومفاهيم البروتوكول والإتيكيت بتنفيذ مراسم استقبال جلالته بزيارة «دولة». زيارة «دولة» تحصل مرةً واحدةً بعمر هرم الدَّولة. وهناك اتفاقيَّات توَقَّع حسب رغبة الطرفين، دون التردُّد أو التأخير، بالإضافة إلى تبادل أرقى وأرفع الأوسمة لكلا الطرفين، ومأدبة عشاء فاخرة وجولات منتخبة ومقابلات منتقاة، وأعلام الدَّولتين بكل مكان.
الدَّعوة الموَجَّهة لمولانا جلالة السُّلطان كانت من قِبل جلالة الملك تشارلز الثالث، أي من الأُسرة الملكيَّة البريطانيَّة وليس من رئاسة الحكومة. وهنا تبدأ الاختلافات في مراسم الاستقبال منذ البداية: رفع عَلَم سلطنة عُمان في سيَّارة المقلَّة لجلالته، المستقبلين في المطار، وعدد طلقات المدفعيَّة، جدول الزيارة ليس أكثر من يومين مع جلالة الملك، وغيرها من المفردات التي لا مجال لذِكْرها الآن.
منذ لحظة وصول جلالته إلى العاصمة لندن، كان في استقباله ممثِّل جلالة الملك تشارلز الثالث، وعدد من رجالات القصر الملكي، وأعضاء الكادر الدبلوماسي بالسفارة العُمانيَّة المعتمدة لدى المملكة المُتَّحدة. لذلك نرى ونشاهد السيَّارة كانت ترفع راية «آل سعيد» وليس العَلَم العُماني، بمعنى أنَّ الدَّعوة الملكيَّة هي بين أُسرتين عريقتين بالتاريخ والترابط ومضى عليهما أكثر من (200) عام. وإذ نتطرق إلى العلاقات العُمانيَّة البريطانيَّة الرَّسميَّة والدبلوماسيَّة، فهناك معاهدات موقع بين الطرفين بالقرن الثامن عشر حول التبادل التجاري والبحري. وقَبل ذلك بكثير، هناك زيارات لأساطيل بحريَّة، ونستطيع القول: إنَّ الدبلوماسيَّة والعلاقات الاقتصاديَّة المتبادلة كانت قد بدأت بحدود القرن السابع عشر؛ أمَّا الرَّسميَّة، فهي المدونة بالقرن الثامن عشر في سجلَّات الأُسرة الملكيَّة البريطانيَّة. فهو التَّاج الذي أهداه السَّيد سعيد آنذاك في أغسطس من عام (1838) للملكة فكتوريا بمناسبة تتويجها ملكة في المملكة المُتَّحدة.
في المقال القادم، سوف يتمُّ تحليل المراسم الاستقبال استنادًا إلى عدد الأيَّام ونوع المناسبة ووقتها ومكانها. فنلاحظ ـ على سبيل المثال ـ مأدبة العشاء، وعدد ونوع الحضور، وبروتوكول وإتيكيت الاستقبال، وكذلك عدد طلقات المدفعيَّة التي كان عددها (41) طلقة.
د. سعدون بن حسين الحمداني
دبلوماسي سابق والرئيس التنفيذي للأكاديمية الدولية للدبلوماسية والإتيكيت