سنحاول من خلال هذا الطرح تسليط الضوء على بعض الأصوات اليهوديَّة التي طالما صرَّحت برفضها القاطع لاحتلال الأرض الفلسطينيَّة العربيَّة، أو قيام دولة صهيونيَّة عليها، وتبيان حقيقة وجهة نظرهم في ذلك، وكيف فضح أولئك اليهود المنصفون المنتقدون للصهيونيَّة العالميَّة مخطَّطاتها القذرة في العالم، وبيَّنوا على وجْه الدقَّة الأسباب التاريخيَّة والسياسيَّة التي أدَّت وما زالت إلى استمرار تصاعد الصراع العربي ـ «الإسرائيلي» حتى اليوم، وذلك من خلال تصرُّفات الشريحة الصهيونيَّة الأُصوليَّة القوميَّة المتزمِّتة، والتي كان لها الدَّوْر الأكبر في تحويل الصهيونيَّة الدينيَّة فعليًّا، إلى حركة استيطان في مختلف الأرض العربيَّة الفلسطينيَّة، مدفوعة برؤية قوامها أنَّ الاحتلال الصهيوني/ اليهودي لكل الأرض، خطوة حاسمة على طريق الخلاص الأبدي، وما ترتب على ذلك الاحتلال من ثَمنٍ باهظ، ما زال الطرفان يدفعانه من الناحية الإنسانيَّة والأخلاقيَّة.
فنحن على دراية من أنَّه وكما يوجد هناك نصف في «إسرائيل» يزداد قوميَّة وأُصوليَّة وتشدُّدًا كل يوم، متمسكًا بكل قوَّته بفكرة الإقامة في أرض يهودا والسامرة، حسب ما جاء في كتُبهم المحرَّفة، فهناك جزء مكمِّل يميل إلى اتِّجاه ما بعد الصهيونيَّة، والذي تظهر فيه الوطنيَّة «الإسرائيليَّة» أقلَّ تهوُّرًا، «انظر: أرض مقدَّسة، حرب غير مقدَّسة للأستاذ أنتون لاجارديا».
يقول ألبرت أينشتاين في سياق ذلك: «إنَّني لا أفْهَم لماذا نحن بحاجة إلى دولة كهذه، إنَّ الدَّولة القوميَّة هي فكرة رديئة، وقد عارضتُها على الدوام، إنَّنا نقلِّد أوروبا والذي دمَّر أوروبا في النهاية هم القوميون». وهذه الشخصيَّات بالطبع هي على سبيل المثال لا الحصر. وسنتناول بعضًا من أقوالهم في ذلك السياق، كشهادة شهد بها أهلها على إجرام وإرهاب هذه المستعمرة السرطانيَّة البغيضة في عالمنا العربي. وبالطبع فإنَّنا هنا وكباحثين عن الحقيقة والكلمة العادلة أينما وجدت، وإن كانت في غياهب الظلم والاستبداد والإرهاب، ملتزمين بالنَّقد البنَّاء والطرح المنصف، وإعطاء كل ذي حقٍّ حقَّه، وإن كان ذلك لواحد ممَّن يُحسبون على يهود.
والغريب في الأمر، هو أن قادة «إسرائيل» ـ منذ ثيودور هيرتزل وإلى الآن ـ ما زالوا يدَّعون تمسُّكهم بانتماءاتهم القوميَّة والوطنيَّة الخالصة، من خلال امتداداتها التاريخيَّة للصهيونيَّة الدينيَّة، رغم أنَّهم ومن خلال ما تثبته الوقائع التاريخيَّة والحقائق اليوميَّة، كانوا وما زالوا أكثر مَن أضرَّ بالشَّعب اليهودي في فلسطين التاريخيَّة، وتسبَّبوا بجُل الصراع الدَّامي والسَّلام المكذوب بينهم والشعوب العربيَّة.
وفي هذا السياق يقول أشير جينزبرج، وهو قائد الحركة المعروفة بالصهيونيَّة الأخلاقيَّة والتي طالما انتقدت الصهيونيَّة السياسيَّة لحاييم وايتزمان وغيره سنة (1922)م: «هل هذا هو الهدف الذي ناضل له آباؤنا، وعانت كل الأجيال في سبيله؟ هل هذا هو حلم العودة إلى صهيون، لتلطيخ ترابها بالدَّم البريء؟»
كما وأنَّه وفي نفس السياق نجد اليهودي الأرثوذكسي الرابي بنيامين، وهو محرِّر سابق في مجلة نير «انظر: العرب والمسيحيون واليهود، نقلًا عن لوجوس إنترناشيونال (1978)م - ص (149)»، وهو ينتقد واقع الفكر الصهيوني الذي احتل الأرض الفلسطينيَّة بقوَّة السِّلاح والنَّار والإرهاب، ويعارض الفكر الصهيوني البغيض، فكرة رفض عودة اللاجئين العرب إلى أراضيهم، وإقامة المستعمرات الصهيونيَّة على حساب البيوت والمساكن العربيَّة لأصحاب الأرض، فيقول: «في النهاية علينا أن نعلنَ الحقيقة، إنَّنا لا نملك أيَّ حقٍّ أخلاقي في معارضة عودة اللاجئين العرب إلى أرضهم... إنَّنا إلى أن نبدأَ بالتكفير عن خطايانا ضدَّ اللاجئين العرب، لا يحقُّ لنا أن نتابعَ جمع المنفيين، لا يحقُّ لنا أن نطالبَ اليهود الأميركيين بمغادرة البلد الذي أصبحوا متمسكين به، والإقامة في أرض سُرقت من آخرين، وأصحاب هذه الأرض لا وطن لهم، وهم بائسون... لم يكُن يحقُّ لنا أن نبنيَ مستوطنة، ثم نُحقق هدف الصهيونيَّة بممتلكات شَعب آخر. لعمري إنَّ هذا نهب، وفي النهاية علينا قول الحقيقة، أمامنا هذا الخيار: إما أن نستمعَ إلى صوت الحقيقة لخيرنا وخير السَّلام الحقيقي، أو لا نستمع إليه، فنجلب الشَّر والبليَّة علينا وعلى أجيال المستقبل».
وهكذا يتَّضح لنا من خلال سياق الأقوال السابقة لتلك الشريحة المعتدلة من اليهود في «إسرائيل» أو خارجها، بأنَّ ما خلَّفته الصهيونيَّة الحديثة بوصفها حركة استعماريَّة قوميَّة، ليس أكثر من وجود استيطاني ظالم، أسْهَم في تقويته واستفحاله تواطؤ بعض الدول الغربيَّة، وضعف الإرادة السياسيَّة العربيَّة، ممَّا مهَّد لخلقِ آفاقٍ واسعة من الشَّر والهمجيَّة والوحشيَّة في نفوس المستعمرين الجُدد، والذين امتلأت نفوسهم المغلولة بالحقد والكراهية لكل ما هو إسلامي وعربي، ففقدت الصِّفة البشريَّة والإنسانيَّة بشكل تدريجيٍّ في التعامل مع أصحاب الأرض الأصليين، لدرجة اعتبارهم مجرَّد أشياء هامشيَّة لا قِيمة لها في أحسن الأحوال، وأشياء ينبغي الحطُّ من قدرها وإذلالها في أسوأ الأحوال، ممَّا نتج عنه امتدادات نفسيَّة واجتماعيَّة، شكَّلت صورة الكراهية المتنامية بين العرب من جهة، والصهاينة الاستيطانيين من جهة أخرى.
وفي هذا السياق يقول: «آرييه لوفا إلياف نقلًا عن كِتاب «إسرائيل»: تاريخها لـ في جيلبرت، ص (529)»، من أنَّه و»بعد حروب الأيَّام الستة، أصبحت «إسرائيل» قوَّة فاتحة ومُحتلَّة، بما تبع ذلك من نتائج وخيمة، فقد أدَّى الانتصار العسكري «الإسرائيلي» الكبير الذي تمَّ إحرازه في حرب (1967)م ـ بحسب رؤية الكاتب ـ إلى كشف مريع لكل الدوافع الشريرة المخبَّأة في «إسرائيل»، أفرادًا وشَعبًا: تعالٍ وغرور فارغ، ولا مبالاة بمصير المهزومين، ورغبة عارمة في السيطرة على الأراضي المُحتلَّة، واستعباد شَعبها لاقتصاد المنتصرين... إنَّ حركة «إسرائيل» الكبرى التي من أهدافها الرَّئيسة دمج الضفَّة الغربيَّة وقِطاع غزَّة ضمن حدود البلد، ضلَّلت الصهيونيَّة و»إسرائيل»، وجعلتهما تنحرفان عن خطهما الحقيقي وتزوغان عن إحراز أهدافهما الأساسيَّة». «انظر مقالنا: حين أسكت التاريخ في فلسطين».
نعم، لقد دفع وسيدفع الشَّعب «الإسرائيلي» ثمنًا باهظًا لأخطاء قادته وموجِّهيه إلى الخلاص والسَّلام، فبينما كانوا ينتظرون الاستقرار والأمان والحُريَّة، واجهوا حتميَّة تحمل وجودهم الظالم على أرض مغتصبة بقوَّة النَّار وعمى القانون الدولي وتكالب الأُمم الغربيَّة على المستضعفين، «فالأمة الصغيرة التي لا يقيم قادتها اعتبارًا لحدود القوَّة العسكريَّة محكوم عليها أن تدفعَ غاليًا ثَمن غرورها، وإن بلدًا «ديمقراطيًّا كإسرائيل» يكون دفاعه مبنيًّا على جيش ميليشوي، لا يمكنه أن يربحَ حربًا لا ينقصها الدَّعم الشَّعبي الواسع فحسب، ولكن أيضًا أدنى قدرة على الإجماع الوطني على ضرورتها».
ختامًا: تُؤكِّد الأحداث السياسيَّة في العام (2026)م اتِّجاه الدَّاخل «الإسرائيلي» إلى الانقسام والتفتُّت، ويتأكد ذلك من خلال العشرات من التقارير «الإسرائيليَّة» والغربيَّة، فعلى سبيل المثال لا الحصر، وفي تقرير حديث صدر عن صحيفة «تلجراف» البريطانيَّة بقلم هنري بودكين: «يُشير مؤكدًا أن «إسرائيل» تواجه تصاعدًا في الانقسامات الداخليَّة التي قد تُهدِّد تماسُك مُجتمعها واستقرارها السياسي، وإلى جانب الضغوط الاقتصاديَّة الناجمة عن ارتفاع الإنفاق العسكري، قد تعرّض «إسرائيل» لخطر لا يقتصر على التفكك المُجتمعي، بل قد يصل إلى اندلاع حرب أهليَّة، ويبرز التقرير كذلك تنامي نفوذ التيَّار الدِّيني القومي داخل السياسة الإسرائيليَّة».
محمد بن سعيد الفطيسي
باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية
رئيس تحرير مجلة السياسي – المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
MSHD999 @