الأحد 25 أكتوبر 2026 م - 14 جمادى الأولى 1448 هـ
أخبار عاجلة

نبض المجتمع : المواطنة: هل يكفي أن تكون واجبًا؟

نبض المجتمع : المواطنة: هل يكفي أن تكون واجبًا؟
الأحد - 25 أكتوبر 2026 02:55 م

د. خصيب بن عبدالله القريني

10

يُشكِّل موضوع المواطنة أحد أركان النظام التعليمي في أيِّ بلد؛ إذ إن جميع دول العالم تسعى من خلال أنظمتها التربويَّة في الأساس لبناء مواطنٍ صالحٍ ينتمي لوطنه. فبدون الانتماء الذي يرتبط بمفهوم المواطنة لا يمكن بناء مواطنٍ صالحٍ. فمَن لا خير فيه لوطنه، لا خير فيه لأيِّ شيء آخر. من هنا سَعَتِ الأنظمة التعليميَّة إلى إيجاد الوسائل والطُّرق التي تمكِّنها من غرس قِيَم المواطنة في نفوس الناشئة. ولا شك أنَّ الدَّوْر الأكبر لا ينحصر في التعليم، بل هنالك عوامل أخرى لا تقلُّ أهميَّة عنه في سبيل تحقيق هذا الهدف، أهمها المُجتمع وأفكاره ومعتقداته، والجانب الإعلامي أيضًا، وغيرها من العوامل التي تتكاتف مع بعضها البعض، وبدون تكاتفها لا يتحقق الهدف. حتى في النظام التعليمي لا يمكن توجيه اللَّوم لمادَّة مُعيَّنة دون غيرها للقيام بغرس المواطنة، بل الجميع مطالب بهذا الدَّوْر كلًّا في اختصاصه.

إنَّ حصر عمليَّة غرس المواطنة في الجانب المعرفي فقط هو كمن يركِّز على القشور دون الاهتمام باللُّب. فلا يكفي أن نحشوَ ذهن الطالب بمعرفة تاريخ وطنه، وبماذا يتميَّز عن غيره من الأوطان؟ وما أهميَّة جغرافيَّته؟ إلى غيرها من المعلومات المعرفيَّة؛ ظنًّا منَّا بأنَّ معرفته هي نهاية المطاف في طريقنا لتنمية حسِّ المواطنة لديه. والواقع أن هذا الجانب هو البداية لتنمية وزرع مفهوم المواطنة، فلا تكفي المعلومات وحدها في هذه المهِمَّة الشَّائكة. ويمكننا ربط هذا المجال بحقيقة الأهداف التربويَّة التي يقوم عليها عبء تنمية هذا الجانب، فلا يمكن حصرها في الجانب المعرفي، فهي تشمل الجانب المهاري والوجداني. من هنا يمكننا معرفة حقيقة بناء هذا الموضوع، فبما أن الأهداف التربويَّة لكي تُحققَ غايتها لا بُدَّ من تنوُّعها، كذلك موضوع المواطنة يجب أن يبنى على هذا الأساس. فلا بُدَّ من التركيز على الجانب المهاري جنبًا إلى جنب مع المجال المعرفي لإيجاد الشعور الوطني الذي نطلق عليه مواطنة، وهذا الشعور والانتماء لا يمكن أن يصلَ إليه المتعلم إذا لم يخضع للمجالَيْنِ المذكورَيْنِ.

وبما أنَّ المواطنة هي واجب على المتعلم، يتطلب حقوقًا تُعينه على أداء هذا الواجب، فإنَّ كل ما يمكن تقديمه من فعاليَّات وطُرق ووسائل لغرس هذا الواجب قد يضيع في لحظة أمام التقصير في الحقوق التي يستحقُّها، والتي يجب أن يحصلَ عليها في تطبيق واضح لمتلازمة الحقوق والواجبات. هذا ما شاهدناه الأسبوع الماضي في بعض الدول الأوروبيَّة التي شهدت مظاهرات واحتجاجات عنيفة في دول ينظر إليها على أنَّها منشأ مفهوم المواطنة، دول تعرف كيف تُعزِّز هذا الجانب في نفوس مواطنيها ليس بالمعرفة فقط، بل بالمهارات والجوانب الوجدانيَّة لدرجة أنَّ مواطنًا فرنسيًّا مثلًا لا يمكن أن يتحدثَ معك إلَّا بلُغته الفرنسيَّة خارج نطاق العمل، في اعتزاز واضح بوطنيَّته. بمعنى آخر هناك دول تقدَّمت بمراحل في عمليَّة تنشئة المواطن المنتمي لدولته، بحيث إنَّها لم تركِّز على القشور، ورغم ذلك شاهدنا عمليَّات نهب وسرقة وتحطيم للمحال التجاريَّة، وهو في الواقع ليس دليلًا على فشل في سياسات تعليم المواطنة بقدر ما هو فشل في إعطاء الحقوق للمواطن الذي عندما يظهر حُبه لوطنه وخوفه على ممتلكاته، ولكنَّه يجد في المقابل ضياعًا لقدرات وطنه اقتصاديًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا، ثم ينعكس كل ذلك على معيشته التي تهمُّه في المقام الأول. وهنا لستُ في محلِّ التبرير لمثلِ هذه الأفعال، ولكن النظر للموضوع من زاوية عقلانيَّة أكثر قدرة على تحليل الأسباب ومعرفة الدوافع.

د. خصيب بن عبدالله القريني

[email protected]