الأربعاء 21 أكتوبر 2026 م - 10 جمادى الأولى 1448 هـ
أخبار عاجلة

الوحي والبيئة العربية.. ماذا بقي من مكارم الأخلاق؟ «2»

الأربعاء - 21 أكتوبر 2026 02:35 م

.. وقد كانت الأسرة والمجالس والقرية والمدرسة والمسجد في أزمنة سابقة تشكل، في كثير من البيئات، منظومة رقابة أخلاقية متداخلة، تؤدي أدوارًا واسعة في نقل الأدب والرقابة الاجتماعية، فيتعلم فيها الطفل كيف يخاطب الكبير، وكيف يحفظ حق الجار، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يختلف دون فجور، وكيف يعتذر إذا أخطأ، وكان العلماء والمربون يدركون أن بناء الأدب سابق على تضخم المعلومات؛ لأن العلم إذا دخل نفسًا لم تهذبها الأخلاق ربما زاد صاحبها قدرة على الخصومة بدل أن يزيده قدرة على الهداية.

أما اليوم فقد فتحت وسائل التواصل أبوابًا واسعة أمام نوع جديد من الانفلات؛ يكفي أن تختلف مع أحدهم حتى تنكشف طبقات من السباب والتجريح والتنمر والتشهير، والأشد إيلامًا أن يصدر شيء من ذلك أحيانًا ممن ينتظر منهم الناس القدوة: داعية، أو مثقف، أو إعلامي، أو مسؤول، أو صاحب منبر، وقد نرى متخاصمين من أهل العلم أو الفكر يتراشقون بما لا يليق، حتى يأتي من هو أقل منهم علمًا لينصحهم بحفظ الأعراض وأدب الاختلاف، وهنا تكمن المفارقة: قد ينتصر المرء في حجته ويهزم أخلاقه.

وليس الانهيار الأخلاقي مقصورًا على الكلام؛ فلكل مهنة أخلاقها التي إن سقطت تحولت المهنة نفسها إلى خطر، فالتاجر الذي يكذب ويدلس يهدم أخلاق السوق، والمحامي الذي يجعل مهارته سبيلًا لإبطال الحقوق يسيء إلى رسالة العدالة، والطبيب الذي ينتهك خصوصية مرضاه يخون أمانة الطب، والمعلم الذي يقصر في تعليم طلابه يهدم مستقبلهم، والداعية الذي يكذب أو يغتاب طلبًا للزعامة يهدم بفعله ما يبنيه بخطبته، والقاضي المرتشي يهدم ميزان العدالة، والسياسي الذي يجعل الكذب أداة دائمة يهدم الثقة العامة، والمسؤول الظالم يحول الوظيفة من أمانة إلى امتياز، ولهذا لا تكون الأخلاق شأنًّا فرديًّا خالصًا؛ لأن فساد الفرد قد يتسرب إلى المؤسسة، وفساد المؤسسة ينتقل إلى المجتمع، والناس في ذلك كركاب سفينة واحدة؛ إذا أصبح خرقها حرية شخصية، صار الغرق مصيرًا جماعيًّا.

وقد عرض القرآن نماذج لأمم لم يكن انهيارها الأخلاقي تفصيلًا هامشيًّا في سقوطها؛ فقوم لوط ارتبط ذكرهم بانحرافهم في الفاحشة، وأصحاب مدين ببخس المكيال والميزان والفساد الاقتصادي، وأقوام آخرون بالاستكبار والسخرية من المصلحين والتكذيب والظلم، فحين يتحول الفساد من خطأ يستنكره المجتمع إلى ثقافة يبررها، تصبح المشكلة حضارية لا فردية، وتزداد مسؤوليتنا اليوم لأن الإنسان المعاصر لا يواجه انحرافات سلوكية فحسب، بل يواجه جدلًا عالميًا واسعًا حول مفهوم الأسرة والجنس والهوية والحرية والدين وحدود الفطرة الإنسانية. وتدخل هذه الأفكار إلى البيوت عبر الشاشات والمنصات قبل أن تدخلها عبر الكتب والمدارس، ولا تكفي مواجهة ذلك بالصراخ أو التخويف؛ فالقيمة التي لا نشرح حكمتها للأجيال قد لا تصمد طويلًا أمام سيل من الخطابات المنافسة، ونحن بحاجة إلى أن نبني في الناشئة فهمًا يجعل العفة كرامة، والحياء قوة، والصدق نجاة، والأمانة شرفًا، والأسرة سكنًا، واحترام الإنسان مبدأ، وضبط الشهوة حرية من نوع أرقى، لا مجرد قائمة طويلة من الممنوعات.

ومن هنا أرى أن الوقت قد حان لكي تنتقل الأخلاق من الوعظ الموسمي إلى البناء المؤسسي، لماذا توجد في المؤسسات أنظمة للرقابة المالية والإدارية والجودة والأداء، ولا يحضر البعد الأخلاقي بالقوة نفسها؟ ولماذا نقيس الموظف بما أنجزه فقط ولا نسأل دائمًا: كيف أنجزه؟ وهل حفظ حقوق زملائه؟ وهل كان أمينًا في سلطته؟ وهل احترم الناس الذين تقع مصالحهم تحت يده؟.

إن المؤسسات بحاجة إلى مواثيق أخلاقية حقيقية لا تعلق على الجدران فحسب، بل تدخل في التقييم والتدريب وصناعة القيادات، كما ينبغي أن تتدرج التربية القيمية في التعليم من الصفوف الأولى إلى الجامعة، لا بوصفها مادة للحفظ والاختبار فقط، وإنما ممارسة وتدريبًا ومواقف حياتية وتربية على أدب الحوار والأمانة والخصوصية والمسؤولية واحترام المختلف.

بل ينبغي أن يكون السجل الأخلاقي أحد الاعتبارات المهمة في اختيار القيادات والترقيات، ولا سيما في الوظائف التي تمثل قدوة عامة أو تتصل بحقوق الناس وأمنهم وتعليمهم وصحتهم وأموالهم، فما جدوى قائد شديد الكفاءة إذا كان ظالمًا؟ وما قيمة موظف مرتفع الإنتاجية إذا كان فاسدًا؟ إن المهارة تخبرنا بما يستطيع الإنسان أن يفعله، أما الأخلاق فتخبرنا: ماذا سيفعل بهذه القدرة؟.

سامي بن محمد السيابي 

 كاتب عماني