كان للقرآن الكريم فضلٌ كبيرٌ على العربية، وعلومها، حيث نشأت علوم جديدة مع ضياء القرآن الكريم، كعلم القراءات، وعلم توجيه القراءات، وعلم الوقف والابتداء، وعلم توجيه وقوف القرآن الكريم، وابتداءاته، وعلم نقط المصحف، وعلم رسم المصحف، وعلم توجيه رسوم المصحف الشريف، وعلم القراءات الشاذة، وتوجيهها، وعلوم القرآن الكريم كثيرة، وكُتِبَتْ حولها كتبٌ كثيرة، معروفة بكتب علوم القرآن الكريم.
وهنا نركِّز على علم الوقف والابتداءات، وتوجيه تلك الوقفاتِ نحويًّا، والتعريج على دلالاتها في كل وقف، وابتداء؛ لنكشف عن شيء من علم الإعجاز البلاغي في تلك الوقفات، والابتداءات، ونرى ملمحًا آخرَ من ملامح إعجاز القرآن الكريم، ففي كلِّ وقفة معنًى، يختلف عن الوقفة الأخرى، ولكل ابتداءٍ دلالةٌ تتساند مع دلالة ابتداءٍ آخرَ، وإن المرء ليتعجب في الحقيقة من عطاءات الكتاب الكريم الذي لا يَخْلَقُ على كثرة الرد، ولا يَشْبَعُ منه العلماء.
ونضرب هنا عددًا من النماذج التي تَعَدَّدَ فيها الوقفُ، والابتداءُ، وكانت لها معانٍ غزارٌ، ودلالاتٌ كِثَارٌ، أثْرَتِ الدلالة القرآنية بوابِلٍ من المعاني.
ـ النموذج الأول، يقول الله تعالى في سورة يوسف ـ عليه السلام:(قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (يوسف ـ 108).
فلو قرأ القارئ، فقال:(قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ..)، ثم وقف وبدأ:(أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَن..) لكان المعنى أنه يُقِرُّ بأن تلك الشرعة، وذاك الاعتقاد هو سبيله أنه يدعو إلى الله على بصر، وفقه، وفهم، ووعي، وبصيرة، فشبه الجملة:(عَلَى بَصِيرَةٍ) متعلق بالفعل: (أَدْعُو)، ويعني: أن دعوته هذه متبصرة تعرف مواضعَ أقدامِها، وتعي مهمتها، وتعرف حدود مسؤوليتها، وخطوات وظيفتها، وأنها دعوة تأتي عن علم، ووعي، وإدراك، وبصر بكل كلمة، وخطوة فيها، ثم يستمر المعنى: أنه هو ومن اتبعه على تلك الشاكلة، وهذه الصورة، وذلك المعنى السامي: أنهم مدركون لطبيعة دعوتهم، وطرق نقلها، وكيفية دعوة الناس على بصيرة، وفهم، ووعي كبير.
أما إذا قرأ القارئ، فقال:(قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ..)، ثم وقف، ثم استأنف قارئًا:(عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَن..)، فهنا قد تحول شبه الجملة:(عَلَى بَصِيرَةٍ) من متعلق بالفعل: (أدعو)، أو حال من الضمير المستتر في أدعو، إلى شبه جملة في محل رفع خبرًا مقدَّمًا للمبتدأ المؤخر:(أنا) أي: يكون المعنى:(أنا على بصيرة أنا ومن اتبعني)، فهي تزكية للنفس، وأنه يُقِرُّ، ويعترف أنه على بصيرة، هو وكل من اتبعه، وأنهم يصدرون عن وعي، وإلمام تام بكل متطلبات الدعوة، وتكاليفها، وكل مستلزماتها، فَهُمْ أرباب الدعاة، وأساطين الدعوة، يعرفونها مظهرًا، ومخبرًا، وكُلًّا، وجُزءًا، وأصلًا، وفرعًا، وهم أهلها، وناسُها الذين يدرِّبون الناس على مراحل الدعوة، وأساساتها، ومستلزماتها، ولا بأسَ أن يزكِّي المرءُ نفسَه إذا كان هو كذلك بالفعل، قال سيدنا يوسف - عليه السلام - لعزيز مصر:(قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ، وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) (يوسف 55 ـ 56).
وبالفعل رسم سيدُنا يوسفُ لعزيز مصر الخطة الخمس عشرية، وأنقذ فيها مصر من مجاعة محققة، وأوصلهم إلى مرحلة الاكتفاء، والوفرة، بل مرحلة الكفاية، والتصدير، وحياة الرفاه، والامتلاء، والإشباع، قال تعالى:(قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ، ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ، ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ) (يوسف 47 ـ 49).
فلا بأسَ أن يزكِّيَ المرء نفسه إذا وجد من نفسه أهليةً لذلك، وأن الناس حيرى، متخبطون، لا يرون سلامة الطريق، ولا يجدون مخرجًا لمشكلاتهم، فيبصرهم بنفسه، ويعرِّفهم بقدراته، وتخصصه، ومنه أيضًا قوله تعالى:(وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ) (يوسف ـ 59).
د.جمال عبدالعزيز أحمد
كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة - جمهورية مصر العربية