الثلاثاء 20 أكتوبر 2026 م - 9 جمادى الأولى 1448 هـ
أخبار عاجلة

أضواء كاشفة : الطاقة فـي ميزان الأخلاق

أضواء كاشفة : الطاقة فـي ميزان الأخلاق
الثلاثاء - 20 أكتوبر 2026 02:55 م

ناصر بن سالم اليحمدي

10

أزمة الطاقة في عالمنا المعاصر ليست أزمة موارد فحسب، ولا هي مجرَّد سباق محموم لتطوير التقنيَّات واكتشاف مصادر جديدة للإنتاج. إنَّها في أحد وجوهها أزمة أخلاقيَّة تكشف عن طبيعة العلاقة بين الإنسان والثروة، وبين القوَّة والمسؤوليَّة. فكلَّما اتَّسعت قدرة الإنسان على استخراج الطاقة وتوليدها والتحكم في مصادرها، اتَّسع السؤال عن حدود هذه القدرة وعن المعايير التي ينبغي أن تضبطَ استخدامها وتوزيع منافعها وأضرارها. حيث تطرح الأخلاق سؤالًا جوهريًّا: هل تقاس قِيمة الطاقة بما تمنحه من ثروة؟ أم بما تُحققه من حياة كريمة وعدالة واستقرار للبشر؟

من هذا المنطلق، تكتسب مشاركة سلطنة عُمان في منتدى مجموعة العشرين لحوار الأديان الذي استضافته مدينة سولت ليك سيتي الأميركيَّة بشعار «أمل صامد، ومستقبل مشترك» أهميَّة تتجاوز حدود الحضور الدبلوماسي. فقد أعادت الكلمة التي ألقاها معالي وزير الأوقاف والشؤون الدينيَّة الدكتور محمد بن سعيد المعمري في جلسة «سياسات الطاقة والدِّين والسَّلام والازدهار الإنساني» طرح العلاقة بين الطاقة والقِيَم في وقت يحتاج فيه العالم إلى مراجعة عميقة لأولويَّاته، وإلى استعادة البُعد الإنساني في القرارات التي تحدِّد مصائر الشعوب ومستقبل الكوكب.

لا شك أنَّ القضيَّة ليست أنَّ العالم يفتقر إلى الموارد وحدها، ولا أنَّه عاجز تمامًا عن ابتكار البدائل، بل يكمن التحدِّي أيضًا في الكيفيَّة التي تُدار بها هذه الموارد، وفيمن يملك القرار بشأنها وفي مدى عدالة توزيع فرص الانتفاع بها وأعباء إنتاجها واستهلاكها. فالنفط والغاز ـ على أهميَّتهما في الاقتصاد العالمي ـ ثروتان محدودتان تتطلبان إدارة مسؤولة تراعي حاجات الحاضر، ولا تستنزف إمكانات المستقبل. ومع أنَّ الدول تختلف في احتياطيَّاتها وقدراتها الإنتاجيَّة، فإنَّ الاعتماد الواسع على الوقود الأُحفوري يثير أسئلة تتعلق بالاستدامة وبالآثار البيئيَّة للانبعاثات، وبالمسؤوليَّة عن الأضرار التي تتجاوز الحدود الجغرافيَّة للدول المنتجة والمستهلكة. وهنا تتجلى المفارقة الأخلاقيَّة: فقد تُحقق دولة أو شركة مكاسب اقتصاديَّة كبيرة من نشاط يرتبط بإنتاج الانبعاثات، بينما تتوزع آثاره البيئيَّة على شعوب ومناطق لم تجنِ من تلك المكاسب نصيبًا متكافئًا. وقد تستفيد أجيال حاضرة من استهلاك كثيف للموارد، فيما تجد الأجيال اللاحقة نفسها أمام بيئة أشد هشاشة.

ولهذا تبرز أهميَّة استحضار القِيَم الدينيَّة والإنسانيَّة في النقاش حول الطاقة، لا باعتبارها بديلًا عن العِلم أو الاقتصاد أو التشريعات، بل باعتبارها مرجعيَّة تساعد على تحديد الغايات التي ينبغي أن تخدمَها هذه الأدوات. فالأديان ـ على اختلاف تقاليدها ـ تتعلق مبادئها بالأمانة والعدل وحدود التملُّك، وحرمة الإضرار بالآخرين، ومسؤوليَّة الإنسان عن أفعاله. وهي مبادئ تكتسب أهميَّة خاصَّة حين تتعلق القرارات الاقتصاديَّة بموارد لا تخصُّ جيلًا واحدًا، أو حين تتجاوز آثارها حدود الدولة والشركة والمستهلك. وإذا كان الاقتصاد يسأل عن تكلفة الطاقة وجدواها، فإنَّ الأخلاق تسأل أيضًا عمَّن يدفع هذه التكلفة؟

وما يستحق التأمل في التجربة العُمانيَّة والتي استعرضها معالي الوزير خلال المنتدى حينما استدعى نماذج من التاريخ الحضاري العُماني تعكس معاني التواصل والتعايش والمسؤوليَّة في إدارة الموارد، مثل نظام الأفلاج الذي يُمثِّل تجربة متوارثة في تنظيم الانتفاع بالمياه وتوزيعها وفق ترتيبات اجتماعيَّة معروفة. وتكمن دلالة هذا النموذج في أنَّ إدارة الموارد المحدودة لم تكُن مسألة تقنيَّة بحتة؛ فحفر القنوات وتنظيم تدفُّق المياه لا يكفيان لضمان استدامة الانتفاع بها ما لم تقترن البنية الهندسيَّة بقواعد اجتماعيَّة تحكم الحقوق والواجبات، وتحدِّد نصيب كل مستفيد، وتدعم احترام النظام المشترك. وهذه الفكرة قابلة للتأمل في عالم الطاقة اليوم؛ فامتلاك الآبار أو محطَّات الإنتاج أو تقنيَّات التوليد لا يضْمن وحده عدالة المنظومة، كما أنَّ وفرة الموارد لا تمنع النزاع إذا غابت قواعد الإنصاف والثِّقة المتبادلة.

أمَّا نظام الوقف فيقدِّم بِدَوْره معنى آخر للامتداد الأخلاقي للثروة عبر الزمن؛ إذ يقوم في جوهره على تخصيص المال أو الأصل لمنفعة مستمرَّة تتجاوز في كثير من صوَرها مصلحة صاحبه المباشرة لِتصلَ إلى أجيال متعاقبة. ولا يعني ذلك أنَّ نُظم المياه التاريخيَّة أو الأوقاف تقدِّم حلولًا لتعقيدات أسواق الطاقة الدوليَّة، لكنَّها تحمل مبادئ جديرة بالاستلهام في تنظيم الانتفاع واحترام الحقوق وتغليب استدامة المنفعة، والنظر إلى الموارد بوصفها أمانة تستلزم مسؤوليَّة تتجاوز المصلحة الفرديَّة الآنيَّة. ومن هذه الزاوية، فإنَّ مساهمة عُمان في الحوار الدولي حول أخلاقيَّات الطاقة تكتسب معناها الحقيقي حين تربط بين الإرث الحضاري، والمشاركة العمليَّة في صياغة حلول تتناسب مع تحدِّيات العصر.

لا شك أنَّ المبادئ ـ مهما بلغت قوَّتها ـ تظلُّ محدودة الأثر ما لم تتحول إلى قواعد وسياسات وممارسات قابلة للتقييم والمساءلة. ويبدأ ذلك بتعزيز الشفافيَّة في إدارة موارد الطاقة وإظهار التكاليف البيئيَّة والاجتماعيَّة الحقيقيَّة للمشروعات بدل الاكتفاء بحساب عوائدها الماليَّة المباشرة. كما يتطلب توسيع التعاون الدولي في مجالات البحث والتطوير وتيسير التمويل للدول التي تحتاج إلى تحديث بنيتها الأساسيَّة، ودعم نقل التكنولوجيا وبناء القدرات المحليَّة. وكذلك النظر إلى التحوُّل في قِطاع الطاقة بوصفه عمليَّة اقتصاديَّة واجتماعيَّة متكاملة لا مجرَّد استبدال مصدر بآخر.

وفي هذا الإطار، تبدو دعوة وزير الأوقاف والشؤون الدينيَّة العُماني إلى الاعتراف بالمؤسَّسات الدينيَّة والمُجتمعيَّة شريكًا في رسم مسارات التحوُّل وتنفيذها دعوة تستحق النظر من زاوية عمليَّة من خلال كيفيَّة توظيف الثِّقة المُجتمعيَّة وشبكات التعليم، والحوار، والعمل الخيري في دعم ترشيد الاستهلاك، ونشر الوعي البيئي، ومسانَدة المُجتمعات المتأثِّرة بالتحوُّلات الاقتصاديَّة.

إنَّ البشريَّة تحتاج إلى حكمة تضبط استخدام القوَّة التي تمنحها الطاقة. ومن هنا فإنَّ الحوار بين الأديان والثقافات حول أخلاقيَّات الطاقة ليس ترفًا فكريًّا ولا موضوعًا هامشيًّا في مؤتمرات دوليَّة، بل هو جزء من البحث عن أساس إنساني مشترك.

ناصر بن سالم اليحمدي

كاتب عماني