الثلاثاء 20 أكتوبر 2026 م - 9 جمادى الأولى 1448 هـ
أخبار عاجلة

في العمق : مسؤولية التعليم فـي تقديم حصانة نفسية متكاملة للطلبة فـي مواجهة عوامل القلق والاضطراب النفسي

في العمق : مسؤولية التعليم فـي تقديم حصانة نفسية متكاملة للطلبة فـي مواجهة عوامل القلق والاضطراب النفسي
الثلاثاء - 20 أكتوبر 2026 02:56 م

د.رجب بن علي العويسي

10

تُشكِّل الضغوط النفسيَّة والفكريَّة التي يواجهها الطلبة والمراهقون والشَّباب اليوم أحد أكثر التحدِّيات التي فرضتها المتغيِّرات والظروف الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والتقنيَّة، وما أوجدته من ضغوط انعكست سلبًا على الحالة العاطفيَّة والمزاجيَّة، وصعوبة التكيُّف مع الواقع الاجتماعي، ورسم صورة ذهنيَّة قاتمة عزَّزت من مشاعر القلق والخوف والانطواء في حياة الأفراد والمُجتمعات في ظلِّ غياب مساحات الأمان والحوار والثِّقة والاحتواء الاجتماعي للآخر.

وتُشير الإحصائيَّات الصحيَّة في سلطنة عُمان إلى أن إجمالي الزيارات إلى عيادات الأمراض النفسيَّة في مؤسَّسات وزارة الصحَّة لعام (2025) بلغ نحو (104.4) ألف زيارة، بانخفاض عن عام (2024)، الذي بلغت فيه الزيارات نحو (106.890) ألف زيارة، مقارنةً بـ(76.265) ألف زيارة في عام (2020). وجاءت ثلاث محافظات في مقدِّمة المحافظات الأعلى في عدد الزيارات، هي: شمال الباطنة (29,890)، ومسقط (23,485)، وظفار (14,859). كما تبيِّن الإحصائيَّات أنَّ ما نسبته (51%) من الحالات الجديدة للأمراض النفسيَّة هم في الفئة العمريَّة (19-59) سنة، أي من الباحثين عن عمل وطلبة مؤسَّسات التعليم العالي والجامعات، منهم (57.8%) ذكور، وأنَّ (33.2%) من الحالات الجديدة للأمراض النفسيَّة هم في الفئة العمريَّة (0-18) سنة من طلبة المدارس، منهم (21%) ذكور.

ومع أهميَّة قراءة هذه المؤشِّرات في سياقها الصحِّي والاجتماعي، فإنَّ تعدُّد المؤسَّسات الصحيَّة والعيادات الأخرى التي تقدِّم الخدمات النفسيَّة من خارج مؤسَّسات وزارة الصحَّة، يرفع من هذا العدد ويزيد من سقف الرَّقم، رغم وجود الانخفاض، الأمْر الذي يؤسِّس إلى أهميَّة وجود منظومة وطنيَّة للصحَّة النفسيَّة تتَّسم بالشموليَّة والاتِّساع والتكامل، وتربط مختلف القِطاعات ذات العلاقة، عبر التقنيَّات الحديثة مع الحفاظ على مستوى السريَّة وجودة الخدمة، ويُعزِّز حضور الصحَّة النفسيَّة في حياة الأفراد.

على أنَّ ما تُشير إليه الإحصائيَّات من وقوع الطلبة، سواء على مستوى المدارس أو الجامعات والباحثين عن عمل من مخرجات مؤسَّسات التعليم، ضِمن دائرة الانتشار والخطر، يؤكِّد اليوم الحاجة إلى تحوُّل نوعي في مسار المعالجة، وقَبل ذلك تَبنِّي سياسات استباقيَّة تقرأ هذا الأمْر وتحدُّ من انتشاره وتغلق الأبواب الموصلة إليه، خصوصًا لما ينتج عن وقوع هذه الفئات في الخطر النفسي من تداعيات في القناعات وبناء الذَّات والثِّقة بالنفس والوعي الجمعي، ووقوع هذه الفئة ضحيَّة التغرير بهم في المنصَّات الرَّقميَّة والعالم الافتراضي؛ نظرًا لِمَا تُسهم به هذه الهشاشة النفسيَّة من خطر يشلُّ قدرة الطلبة والمراهقين والشَّباب عن القيام بأدوارهم على أكمل وجْه. وهنا تبرز أهميَّة أن تصبحَ المدارس ومؤسَّسات التعليم العالي والجامعات بيئات حاضنة للبُعد النفسي، لا تكتفي بالتعامل مع الاضطراب بعد وقوعه، بل تعمل على تَبنِّي سياسات الوقاية منه، وبناء الحصانة النفسيَّة لدى الطلبة، وتمكينهم من التعامل مع القلق والضغوط والتحدِّيات بثقة واتِّزان.

إنَّ اتِّساع الهواجس النفسيَّة والقلق والاضطراب، والشعور بالخوف في بيئة التعليم والتعلُّم يضع التعليم أمام مسؤوليَّات تفوق عمليَّات التدريس والمُعلِّم، إلى تَبنِّي دَوْر ابتكاريّ استباقيّ ومسار تعليميّ يقف على كل التفاعلات والأفكار التي تضمُّها شخصيَّة الطالب، وتَدُور في خياله ووجدانه حول نفسه وحياته وصحَّته وواقعه ومستقبله؛ كونها بيئات تتعامل مع شخصيَّات مختلفة وأفكار متنوِّعة ويُمثِّل الطلبة بيئات متنوِّعة الأفكار والثقافات والأدوات، وقد تتحول هذه الهواجس ـ إذا لم تجدِ الاحتواء المناسِب ـ إلى مصدر للقلق والخوف والانطواء، بما يؤثِّر في إنتاجيَّة الطالب وقدرته على بناء علاقات متوازنة، واستثمار قدراته ومهاراته، وصناعة حضور إيجابي له في أُسرته ومُجتمعه. وهنا يكمن الخطر في أن يصبحَ ضحيَّة سهلةً للأفكار المعلَّبة، والمعلَّبات الجاهزة، وتأثير المنصَّات الرَّقميَّة والحسابات الوهميَّة، وأصحاب الفكر عير المنضبط.

ومع كل ذلك، فإنَّ الحاجة أصبحت أكبر إلى تنشيط دَوْر الأخصائيين النفسيين والأكاديميين والاجتماعيين في بيئات التعليم والتعلُّم على مختلف المستويات التعليميَّة، وتفعيل البرامج القادرة على تغيير الصورة النمطيَّة المرتبطة بالصحَّة النفسيَّة والمفاهيم المغلوطة حولها؛ إذ لا ينبغي أن ينظرَ إلى الأخصائي النفسي والمشرِف الأكاديمي أو الاجتماعي، وغيرها من المسمَّيات التي ترصد حركة التغيير اليوميَّة التي يعيشها الطلبة والتفاعلات الحاصلة مع أقرانه ومُجتمعه، والتغيُّرات في سلوكه وشخصيَّته أو اتِّجاهه إلى العدوانيَّة أو الانطواء، لِيكونَ شريكًا في بناء الصحَّة النفسيَّة وتعزيزها. فالخدمة النفسيَّة في المدرسة والجامعة ينبغي أن تتحولَ إلى مساحة آمِنة ومسافة التقاء وحوار وانسجام فكري لتصحيحِ بعض الهواجس والثغرات والقناعات السلبيَّة لدى الطالب حول ذاته وقدراته واستعداداته وسلامه الداخلي، وطريقة تعامله مع الآخرين والمواقف المختلفة.

ومع القناعة بأنَّ التعليم ليس السبب الوحيد في تنامي الظواهر النفسيَّة بين الطلبة، أو أن يكونَ المُتَّهم بحصول هذه المؤشِّرات، فإنَّ العوامل الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والصحيَّة والفكريَّة والأُسريَّة والبيئيَّة، إضافة إلى الخِطاب المؤسَّسي والاجتماعي، وضعف فرص الترفيه، وتراجع الثِّقة بالنفْس، والقلق من المستقبل، كلها مؤثِّرات تُسهم في تفاقم الحالة النفسيَّة. غير أنَّ مسؤوليَّة التعليم تظلُّ محوريَّة في بناء الحصانة النفسيَّة؛ باعتباره البيئة التي يقضي فيها الطالب سنوات طويلة من تشكيل شخصيَّته وقناعاته ومهاراته.

ولم تَعُد التحدِّيات النفسيَّة بين الطلبة حالة طارئة، بل أصبحت نتاج تراكمات تمسُّ جوهر العمليَّة التعليميَّة والممارسة التربويَّة. وتتعدَّد مسبِّباتها بين ما يرتبط بالطلبة أنفسهم، والنظام التعليمي، والمُعلِّمين والأكاديميين، وبيئة التعلُّم، وتكافؤ الفرص، وأساليب التدريس، والاختبارات، والأنشطة، والاستقلاليَّة، والأنظمة والقوانين، فضلًا عن استشراف المستقبل ومسارات التخصُّص وفرص العمل.

لذلك، تقع على عاتق مؤسَّسات التعليم مسؤوليَّة تَبنِّي أُطر واضحة لتعزيز الاكتفاء النفسي، من خلال الاحتواء وبناء الصحَّة النفسيَّة وتقنين السلوك التعليمي وتحويله إلى قِيمة مضافة في حياة الطالب. ويتحقق ذلك عبر تكثيف التوعية المنتجة، وربط الأنظمة واللوائح بجودة الحياة المدرسيَّة والجامعيَّة، وتجسيد ما تتضمنه التشريعات التعليميَّة من مبادئ مرتبطة بالبُعد النفسي في استراتيجيَّات عمل يوميَّة.

ويأتي في مقدِّمة ذلك توفير أدوات واضحة لتشخيص السلوك النفسي، ومقاييس للرصد والتحليل، وبرامج إرشاديَّة قادرة على تقليل أثَر القلق والاضطراب، إلى جانب المنصَّات الإلكترونيَّة والمبادرات التوعويَّة التي تحاكي واقع الطلبة وتلامس احتياجاتهم. كما ينبغي أن يوفِّرَ التعليم مواقف محاكاة، وحالات استثنائيَّة يتعلم الطالب من خلالها كيفيَّة التعامل مع التحدِّيات، عبر الحوار والأسئلة والأجوبة والقصَّة والمسرح والنماذج التدريسيَّة والتوعويَّة والشواهد الواقعيَّة.

إنَّ بناء الحصانة النفسيَّة لا يعني حماية الطالب من كل ضغوط الحياة، ولا تعني أن يكونَ الطالب في موقف الضعيف والمريض أو المتمارض، وأنَّه الحلقة الأضعف في هذه القضيَّة، بل مرحلة جديدة في إعادة إنتاج شخصيَّة الطالب في ظلِّ تنوُّع واتِّساع الصَّدمات، وتمكينه من امتلاك الأدوات التي تساعده على مواجهتها. فالطالب الذي يمتلك الثِّقة بالنفس، والقدرة على البحث والتقصِّي، واتِّخاذ القرار، واختبار المعلومات، والنَّقد البنَّاء، والتحليل الموضوعي والانتقاء المعرفي، يكون أكثر قدرة على التعامل مع التحدِّيات دون الانسحاب أو الاستسلام للخوف والسلبيَّة.

ومن هنا، فإنَّ منظومة الأمان والصحَّة النفسيَّة التي يصنعها التعليم في شخصيَّة الفرد منذ سنوات الدراسة الأولى تُشكِّل مع الصحَّة الجسديَّة ثنائيًّا مُهمًّا في تكوينه المتوازن؛ فهي تساعده على إدراك مسؤوليَّاته، وفَهْم احتياجاته، واتِّخاذ قراراته، والوقوف على خياراته بناءً على معطيات ومسوِّغات. كما تُعزِّز قدرته على التكيُّف مع أُسرته ومُجتمعه ومحيطه التعليمي. وتبرز أهميَّة ذلك بصورة أكبر في التعامل مع بعض الظواهر التي قد يتعرض لها الطلبة، مثل التنمُّر والابتزاز الإلكتروني والتحرش والاحتيال وغيرها؛ إذ يحتاج الطالب إلى الجرأة والوعي لطلب المساعدة والإفصاح عمَّا يتعرض له، وإدراك أنَّ الحديث مع الأخصائي النفسي جزء من الحلِّ وطريق مشترك للعلاج. بينما إبقاء المُشْكلة في دائرة مغلقة قد يزيد من آثارها النفسيَّة ويضاعف من تداعياتها.

أخيرًا، يبقى نجاح التعليم في تحقيق مستهدفات رؤية عُمان ذات العلاقة ببناء مواطن مبدع ومنتج ومتوازن نفسيًّا، قادر على المواجهة، وواعٍ بذاته، ومدرك لحقوقه ومسؤوليَّاته، مرهونًا بحجم ما يمنحه للحصانة النفسيَّة من ممكنات وحضور في سياساته وبرامجه وخططه وأنشطته وطريقه تدريسه وتدريب مُعلِّميه، لتبقى الحصانة النفسيَّة للمتعلمين جزءًا أصيلًا من رسالته، ومدخلًا أساسيًّا لصناعة متعلم قادر على العيش في ظروف صعبة، وأزمات متلاحقة.

د.رجب بن علي العويسي

[email protected]