عوَّدتنا السَّيدة الجليلة حرم جلالة السُّلطان المُعظَّم ـ حفظهما الله ورعاهما ـ سنويًّا بتكريم نخبة من الشخصيَّات النسائيَّة العُمانيَّة من مختلف القِطاعات بقصر البركة العامر، وذلك احتفاءً بيوم المرأة العُمانيَّة الذي يوافق الـ(17) من أكتوبر من كل عام، وقد جاء هذا التكريم تأكيدًا على المكانة الرفيعة التي تحظى بها المرأة العُمانيَّة، والدَّعم المتواصل الذي تناله كشريكٍ رئيس في بناء الوطن وصناعة مستقبله. ولم يكُن هذا الحدث إلَّا حلقة في سلسلة مبادرات وفعاليَّات أكَّدت من خلالها السَّيدة الجليلة رؤيتها الثاقبة لِدَوْر المرأة وحضورها الفاعل في مسيرة النهضة العُمانيَّة.
يتداول في مُجتمعاتنا بأنَّ منزلة ومكانة المرأة هي نصف المُجتمع، وهذه المقولة هو انتقاص كبير لمنزلة المرأة، صراحة؛ لأنَّ المرأة ليست معادلة رياضيَّة حتى نقول نصف المُجتمع، وأنا شخصيًّا أؤمن بأنَّ المرأة داعم أساس وجوهري بالمُجتمع، والتي هي تدير مسائل ومفردات كبيرة وفي غاية الأهميَّة الأُسريَّة في البيت، وتُعَدُّ العائلة نموذجيَّة بهُوِيَّة وشخصيَّة وكاريزما المرأة مع احترامي العالي لمنزلة الرجُل في الأُسرة أو العائلة، والاثنان هما (كالخيمة وعمودها)، فالاثنان يكملان بيت الأصالة والكرم والأمان والاستقرار بالعائلة أولًا، وبالعمل الرسمي ثانيًا؛ لأنَّ أيَّ خلَل في عمود الخيمة أو قماش الخيمة سوف يؤشِّر ويؤثِّر على الحضور وهم أفراد العائلة والمُجتمع.
دِيننا الحنيف والرسالة المحمديَّة الشريفة وضعا الأُسُس الجوهريَّة وسِمات كاريزما المرأة الأصيلة بالمُجتمع، وفنّ التعامل مع الآخرين ومهاراتهنَّ بالإتيكيت الرسمي والاجتماعي، وجعلا للمرأة المكانة العظيمة بالمُجتمع. والتاريخ يخبرنا بأنَّ الخط الثاني من غزوات الجيش الإسلامي هم من النساء يُسندنهم بالإعاشة والطبابة.
اقتبست المدارس الدبلوماسيَّة الأجنبيَّة، وخصوصًا الإنجليزيَّة المتخصِّصة بإتيكيت وبروتوكول المرأة ـ الشيء الكثير من الدبلوماسيَّة الإسلاميَّة. وكما تعودنا، المدارس الأجنبيَّة تتفاخر بالاهتمام بمهارات وكاريزما المرأة لغرض تطوير صقل مفردات حياتها اليوميَّة.
اليوم نتطرق إلى أهم مفردات الإتيكيت للمرأة النموذجيَّة والتي تحتاجها في حياتها الرسميَّة والاجتماعيَّة، وأهمُّها: التواضع وهي سِمة راقية وجوهريَّة من سِمات الحياة الهادئة بعيدًا عن الأنانيَّة، وحُب التسلُّط وعدم الاستماع.
تذهب المدارس الدبلوماسيَّة المتخصِّصة بمفاهيم البروتوكول والإتيكيت إلى كيفيَّة صناعة أو صقل مهارات المرأة، وتجعلها قياديَّة نموذجيَّة متواضعة بكل صفات الإيجابيَّة والتي لها مردودات كبيرة على دائرتها أو جهتها التي تعمل فيها. وهذا لا يتأتى إلَّا بدخول معترك الحياة الأكاديميَّة المتخصِّصة بالمهارات الدبلوماسيَّة والخبرة المحنكة والتي تأتي بالدرجة الأساس من الرَّغبة في استلام مهام ومسؤوليَّات في غاية الأهميَّة. دمجت المعاهد والمدارس الدبلوماسيَّة صفات المرأة القياديَّة بضرورة المرور بمثلَّث الحياة وهو (فنُّ الدبلوماسيَّة، الإتيكيت، والبروتوكول)؛ لأنَّ من المستحيل أن تتبوأَ أيُّ امرأة منصبًا رفيع المستوى أو حتى رئيس قِسم وهي ليست لديها معلومات على فنِّ الإتيكيت والبروتوكول، والخطأ الشائع للجميع بأنَّ الإتيكيت هو فقط كيفيَّة الأكل بالسكين والشوكة، ناسين أو متناسين بأنَّ فنَّ الإتيكيت في الدول الأوروبيَّة ـ وخصوصًا الغربيَّة ـ يُعَدُّ الحجر الأساس للمرأة للتبوؤ مناصب ومهام في غاية الأهميَّة بسبب معلوماتها الثريَّة بفنِّ الإتيكيت الحكومي والاجتماعي والبروتوكول.
من سِمات كاريزما المرأة القياديَّة المتواضعة هي (إنجاز، إبداع، كفاءة) في إنتاجيَّة العمل اليومي مهما كان نوعه من حيث الجودة والكفاءة، ويُعَدُّ هذا اليوم هو بمثابة سلَّم الصعود اليوم والأيَّام القادمة، ووصولًا إلى سِمات القيادة الرَّشيقة.
من أهمِّ معايير المرأة المثاليَّة هي: الابتعاد عن الاحتكاك اللفظي مع الآخرين، الابتعاد عن الأنا وديكتاتوريَّة القرار، الابتعاد عن حُب المنصب، الابتعاد عن الانطواء بالمكتب، الابتعاد عن الغرور والتكلم عن المنجزات الشخصيَّة، الابتعاد عن المبالغة في الكلام، الابتعاد عن التَّباهي بالممتلكات الشخصيَّة كالملابس والذهب والإكسسوارات والحقيبة والسَّاعة وغيرها، الابتعاد عن التكلم بصوت عالٍ، الابتعاد عن تقريب أو تفضيل أحَد الموظفين عن البقيَّة، الابتعاد عن توبيخ أحد الموظفين أمام الجميع، الابتعاد عن الاستفسار عن جدول الأعمال اليومي من المنسِّقة أو مدير المكتب، الابتعاد عن استخدام المكياج الصارخ، الابتعاد عن الملابس الضيِّقة وذات الألوان الشعاعيَّة غير المناسبة، تجنُّب عدم الالتزام بساعات العمل، تجنُّب المشاعر والأحاسيس المبالغ فيها أثناء العمل، تجنُّب المزاح والجلوس مع الموظفين لفترات طويلة.
وفي الختام، نفخر بكل تواضع واعتزاز بما حقَّقته المرأة العُمانيَّة من تطوُّرٍ وتميُّز، وما أحرزته من إنجازاتٍ مشرِّفة تعكس دَوْرها الفاعل في مسيرة النهضة المُتجدِّدة، وإسهاماتها في بناء الوطن وصناعة مستقبله، في ظلِّ القيادة الحكيمة لمولانا حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه.
د. سعدون بن حسين الحمداني
دبلوماسي سابق والرئيس التنفيذي للأكاديمية الدولية للدبلوماسية والإتيكيت