قَبل أسابيع ليست بالبعيدة، جلس معي رجُل في أواخر الخمسينيَّات، وفي يده ورقة تحاليل طبيَّة وقال: عندي فيتامين (دال) أربعة وعشرون، ثم ذكر لي أنَّه يتعب بسرعة ويؤلمه ظهره، وأنَّ أحدهم نصحه بحبوب خمسين ألف وحدة تؤخذ كلَّ أسبوع. وهكذا ظلَّ هو مواظبًا عليها منذ ستَّة أشْهُر ولم يتحسن شيء. سألتُه: متى فحصت وظائف الكلية آخر مرَّة؟ فضحك وقال إنَّه لم يفعل أبدًا. طبعًا عندما أجرينا الفحص وجدنا الكالسيوم في دمه أعلى من الطبيعي لحدٍّ ما.
بلا شك هذه القصَّة ليست نادرة عندنا في مُجتمعاتنا. نحن نعيش في بلاد مشمسة ونهرب من شمسها بين المكيِّفات والسيَّارات المغلقة، فليس غريبًا أن يكونَ النقص شائعًا. ولا أحد يستطيع أن يقولَ لي إنَّ النقص الحقيقي أمْر هيِّن، فهو بشكل حقيقي يضعف العظام عند الأطفال وكبار السِّن ويزيد من أمراضٍ كثيرة. لكن بين مَن يحتاج الفيتامين فعلًا ومَن يتناوله فرق كبير.
ولكي نفهمَ كيف وصلنا إلى هنا، علينا أن نعودَ قليلًا إلى الوراء. فقد ظلَّ فيتامين (د) سنوات طويلة يقدَّم كأنَّه دواء لكل شيء: كالعظام والقلب والمناعة والمزاج ورُبَّما السرطان. وكان السَّند في أغلبه دراسات لاحظت أنَّ أصحاب المستويات العالية أحسن صحَّة من غيرهم. لكن هذا النَّوع من الدراسات يخدعنا بسهولة. نحن نعي جميعًا أنَّ مَن يتحرك ويخرج إلى الشمس ويأكل جيِّدًا ترتفع عنده نسبة الفيتامين؛ لأنَّه سليم، وليس سليمًا؛ لأنَّ عنده فيتامين كثير... أوَلَيْسَ ذلك صحيحًا؟
الأهم من ذلك، أنَّ الجمعيَّة الأميركيَّة للغدد الصمَّاء خرجت في عام (٢٠٢٤)م بتوجيهات وخلاصة أنَّ الأصحَّاء دون الخامسة والسبعين لا يتوقع أن يستفيدوا من جرعات تفوق المقرَّر يوميًّا، ولا حاجة إلى فحص مستوى الفيتامين عندهم. وفي المقابل رأى التَّوجيه ذلك بأنَّ الأطفال والحوامل ومَن تجاوزوا الخامسة والسبعين قد يحتاجون جرعات أعلى. وحتى هؤلاء لا يوصى بفحصهم بشكل روتيني. لكن لكي أكونَ صادقًا؛ هذا التَّوجيه أيضًا لم يسلم من النَّقد، فبعض الخبراء قالوا إنَّه لم يقدِّم طرائق تقييم أخرى لها. من هنا أرى أنَّ الاتِّجاه الصحيح للقول: بأنَّ الرَّقم المنخفض وحده لا يعني مرضًا.
وهنا رُبَّما قد يستغرب بعض الناس حين أتحدَّث عن ضرر الفيتامينات، فقد اعتدنا أنَّ الفيتامينات لا تضرُّ في أسوأ الأحوال. ولكي أكونَ واضحًا وأنا أتحدَّث هنا عن فيتامين (د)، يجب أن ندركَ بأنَّه يذوب في الدهون ويتراكم في الجسم. ومَن يتناول جرعات كبيرة لفترة طويلة قد يرتفع عنده الكالسيوم، فيشعر بغثيان وعطش شديد، وكثرة تبوُّل ـ أعزَّكم الله ـ وإمساك، وتعب. وقد تتأذى الكلى وتتكون الحصى. وهذا لا يحدُث طبعًا لكل أحَد، ولا يحدُث غالبًا. وهنا أتذكر شخصًا يأخذ الفيتامينات دون حساب: حبوب أسبوعيَّة، ومعها مكمل متعدِّد الفيتامينات وحليب، وكأنَّ كلَّ واحد منها لا تضيف شيئًا.
بطبيعة الحال، ما يقلقني هنا بخصوص هذه الفيتامينات أو فيتامين (د) في حالة ذلك الفرد، هو الاطمئنان الكاذب. فذلك الشخص ظلَّ ستَّة أشْهُر يتناول الحبوب ويقول لنفسه إنَّ التعب سيزول، وعليه لم يبحث عن سبب آخر. وبعد أن تعمَّقنا في الفحص تبيَّن أنَّه يعاني من انقطاع النفَس أثناء النوم، وأنَّ سكَّره مرتفع دون أن يَعْلمَ. وهكذا ـ للأسف ـ نعطي الناس حبَّة وتفسيرًا بسيطًا فيتوقفون عن السؤال، ويضيع منهم الوقت الذي كان يمكن أن يُستثمرَ في علاج حقيقي.
بلا شك إذا كان لديك سبب طبِّي واضح، كهشاشة العظام أو مرض في الكلى أو الأمعاء أو نقص مؤكَّد، فالعلاج ضروري ويجب أن يتابعَه طبيب. وأعتقد الأهم هنا، إن وصفت لك جرعة كبيرة ـ مثلًا ـ فمن حقِّك أن تسألَ: كم المُدَّة؟ ومتى نعيد الفحص؟ ولماذا هذه الجرعة بالذَّات؟ مع الانتباه إلى المكملات الأخرى التي تأخذها.
ختامًا، لا أريد أن يفهمَ أحَد أنَّني أقلِّل من قِيمة الشمس أو أتَّهم المختبرات. القصد هنا حقيقة هو أن نتذكرَ أنَّ الصحَّة لا تُختصر في رقم واحد، وأنَّ حبَّة صغيرة لن تعوِّضَ نومًا مضطربًا وقلَّة حركة وغذاء سيء.
د. يوسف بن علي الملَّا
طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي