الاثنين 19 أكتوبر 2026 م - 8 جمادى الأولى 1448 هـ
أخبار عاجلة

المشروع الذي يعرف طريقه

المشروع الذي يعرف طريقه
الاثنين - 19 أكتوبر 2026 02:50 م

إبراهيم بدوي

خلال سنوات عملي في إعداد المواد الإعلاميَّة لصندوق الرفد، أُتيحت لي فرصة الاقتراب من تجارب عددٍ كبير من روَّاد الأعمال العُمانيين، والاستماع إلى حكاياتهم منذ كانت مشروعاتهم أفكارًا تبحث عن طريق إلى السوق. فقد رأيتُ شبابًا يملكون إصرارًا يستحق التقدير، ويتعاملون مع مشروعاتهم باعتبارها فرصة لبناء مستقبلهم. كما رأيتُ بعين المحايد حجم الدَّعم الذي كان يقدِّمه الصندوق، والجهات الحاضنة الأخرى، مثل بنك التنمية ومؤسَّسة «ريادة»، والذي تجاوز التمويل إلى المساندة الفنيَّة والإداريَّة والماليَّة والتسويقيَّة. ومع تكرار اللقاءات، بدأتُ ألاحظ أمرًا لم يكُن يتعلق بحماس الشَّباب أو بجهود القائمين على الصندوق، ولكنَّه يتعلق بطبيعة المشروعات نفسها، ومدى ارتباطها بالفرص التي يتيحها الاقتصاد العُماني. فقد كانت بعض الأنشطة تتكرر بصورة لافتة، وكانت المقاهي ومكاتب سند من الخيارات التي تحظى بإقبال واضح وقتها، بينما بدت مجالات أخرى أقلَّ حضورًا، رغم ما تحمله من إمكانات للنُّمو.

ومن بين التجارب التي عرفتُها، بقي مشروعان في ذاكرتي لسببٍ مختلف؛ أولهما لشابٍّ اختار تأسيس شركة متخصِّصة في صيانة المعدَّات المستخدمة في استخراج النفط والغاز، والآخر اتَّجه إلى الاستفادة من اللبان العُماني في صناعة مستحضرات التجميل ومنتجات أخرى مشتقَّة منه. كنتُ أتابع أخبار المشروعيْنِ بين حين وآخر، وألاحظ اتِّساع نشاطهما كلَّما أُتيحت لي فرصة الاطلاع على تطوُّرهما، حتى تكونَ لديَّ قناعة بأنَّهما يسيران نحو حجم أكبر من الأعمال. ولعلَّ ما جمع بين التجربتين أنَّهما انطلقتا من قراءة مختلفة للسوق؛ فالأولى اقتربت من احتياجات قِطاع اقتصادي رئيس، والثانية وجدت في مورد عُماني معروف فرصة لإنتاج سلع تحمل قِيمة مضافة. وفي الحالتين، كانت هناك إمكانيَّة لتوسيع النشاط مع نُمو الطلب، والدخول إلى أسواق جديدة، وبناء مشروع يستطيع تجاوز حدوده الأولى. صحيح أنَّني لا أعرف مدى النجاح الذي وصلا إليه الآن، لكن تجاربهما كانت ملهِمة وقتها.

وفي المقابل، أتذكر تجربة ثالثة لفندق بيئي أُقيم في منطقة حباها الله بطبيعة فطريَّة جميلة، وكان يبدو للوهلة الأولى مشروعًا يمتلك مُقوِّمات النجاح، خصوصًا أن السياحة كانت من القِطاعات الاقتصاديَّة التي يعوَّل عليها في تنويع مصادر الدخل. غير أن المشروع لم يُحقق النجاح المأمول بسبب محدوديَّة البنية الأساسيَّة في المنطقة آنذاك، وما فرضته من صعوبات على الوصول إليه وتشغيله واستقطاب الزوَّار. وقد تبدو فكرة إقامة منشأة سياحيَّة في موقع طبيعي مميَّز مقنعة في دراسة الجدوى، لكن الواقع يكشف تفاصيل قد تغيِّر النتائج؛ فنجاح القِطاع على المستوى العام لا يعني بالضرورة نجاح كل مشروع ينتمي إليه. كما أن امتلاك الموقع لمُقوِّمات الجذب لا يكفي ما لم تتوافر الظروف التي تحوِّل تلك المُقوِّمات إلى نشاط اقتصادي مستدام. وقد بقيت هذه التجربة في ذاكرتي؛ لأنَّها أظهرت لي أهميَّة التوقيت وجاهزيَّة المكان إلى جانب جودة الفكرة.

ومع مرور السنوات، أصبحتُ أنظر إلى ريادة الأعمال من زاوية تتجاوز عدد المشروعات التي تبدأ نشاطها إلى قدرتها على الاستمرار، وتحقيق عائد مستقر لأصحابها والعاملين فيها، ثم النُّمو والتوسُّع عندما تسمح ظروف السوق بذلك. فهناك فَرق بين مشروع يوفِّر لصاحبه مصدر دخل يعتمد عليه، وآخر يستطيع أن يتحولَ تدريجيًّا إلى مؤسَّسة توفِّر فرص عمل إضافيَّة وتضيف قِيمة إلى الاقتصاد. وكلاهما يؤدي دَوْرًا مُهمًّا، لكن التخطيط الاقتصادي يحتاج إلى إدراك هذا الاختلاف، وتوجيه الدَّعم وفق طبيعة المشروع وفرص تطوُّره، مع مساعدة الشَّباب على قراءة احتياجات السوق والقِطاعات الاقتصاديَّة والبنية الأساسيَّة والمنافسة والطلب المتوقع. إنَّ التجارب التي عرفتُها خلال عملي مع صندوق الرفد جعلتني أؤمن بأنَّ أهمَّ ما يمكن تقديمه لرائد الأعمال، إلى جانب التمويل والتدريب، هو المعرفة التي تساعده على اختيار مشروع يجد مكانه في السوق، ويمنحه القدرة على الاستمرار والنُّمو، ويصبح مصدر دخل مستقرًّا له ولمن يعملون معه.

إبراهيم بدوي

[email protected]