الاثنين 19 أكتوبر 2026 م - 8 جمادى الأولى 1448 هـ
أخبار عاجلة

الوقف ورأس المال الاجتماعي: ثروة لا تظهر فـي الميزانيات

الوقف ورأس المال الاجتماعي: ثروة لا تظهر فـي الميزانيات
الأحد - 18 أكتوبر 2026 02:53 م

نجوى عبداللطيف جناحي

10


تقاس الثروات بما تملكه المُجتمعات من أموال وعقارات وموارد اقتصاديَّة، إلَّا أنّ هناك ثروة أخرى لا تظهر في الموازنات ولا يمكن حصرها في أرقام الحسابات، لكنَّها تؤثِّر بعُمق في استقرار المُجتمعات وقدرتها على مواجهة التحدِّيات وتحقيق السِّلم الاجتماعي. إنَّها ثروة الثِّقة والتعاون والتكافل، أو ما يُعرف برأس المال الاجتماعي، وتحقيق الأمن الاجتماعي. وهنا يبرز الوقف بوصفه إحدى الأدوات الحضاريَّة القادرة على بناء هذه الثروة وتعزيزها عبر الأجيال.

لم يكُنِ الوقف في تاريخ المُجتمعات الإسلاميَّة مجرَّد وسيلة لتخصيص الأموال لسدِّ احتياجات الأُسرة فقط، بل شكَّل نموذجًا حضاريًّا لتحقيقِ السِّلم الاجتماعي، الذي يتيح للأفراد تحويل جزء من ممتلكاتهم إلى منفعة مستمرَّة تتجاوز حياتهم الشخصيَّة. وقد أسهمت الأوقاف عبر التاريخ في دعم مجالات عدَّة مثل: التعليم، والعلاج ورعاية المرضى وتوفير خدمات بيئيَّة، الأمْر الذي جعل الوقف الخيري شريكًا فاعلًا في بناء مُجتمعات مترابطة.

فالقِيمة الحقيقيَّة للوقف لا تتوقف عند حجم ما يقدِّمه من مساعدات أو عدد المستفيدين من خدماته، وإنَّما تمتدُّ إلى ما يصنعه من علاقات إنسانيَّة واجتماعيَّة. فعندما يشعر المستفيد بأنَّ المُجتمع لم يتخلَّ عنه، تتعزَّز ثقته بمُجتمعه المحبط به، وعندما يشارك الواقفون والمتطوِّعون والمؤسَّسات في تحقيق هدف مشترك، تتكوَّن بينهم روابط من التعاون. نعم، قد يتعذر قياس هذه العلاقة، إلَّا أنَّها تُمثِّل رصيدًا اجتماعيًّا يمكن أن ينعكسَ على الاستقرار والتنمية وجودة حياة الإنسان، وبالتَّالي السِّلم الاجتماعي.

ويكتسب رأس المال الاجتماعي أهميَّته من كونه يقوم على الثِّقة المتبادلة، وشبكات العلاقات، والقِيَم التي تشجِّع التعاون والعمل المشترك، فالوقف الخيري بحكم استمراريَّته في العطاء، يستطيع أن يؤدِّيَ دَوْرًا مُهمًّا في تنمية المُجتمع واستقراره، خصوصًا عندما تتَّسم إدارته بالمهنيَّة والشفافيَّة، ويُدار بطريقة تُعزِّز الثِّقة بين متولِّي الوقف وبين المستفيدين.

فالمؤسَّسة الوقفيَّة التي تفصح عن أوْجُه موازناتها، تبرز أثَر مشروعاتها، وتتواصل بشكل مباشر مع المستفيدين فتستمع لآرائهم، بطريقة تُعزِّز الثِّقة بينها وبين المستفيدين. فغياب الشفافيَّة قد يحدُّ من قدرة الوقف على تحقيق أثَره الاجتماعي، حتى لو امتلك موارد ماليَّة كبيرة. ويصبح تطوير العمل الوقفي مرتبطًا بالانتقال من التركيز على حجم الإنفاق إلى الاهتمام بما يتركه هذا الإنفاق من أثَر في حياة الناس. فعلى سبيل المثال: لا تقاس كفاءة برامج تأهيل الشَّباب لسوق العمل بعدد المتدربين أو تكلفة البرنامج، بل بمدى اكتسابهم لمهارات جديدة يحتاجها سوق العمل، وقدرتهم على الحصول على فرص عمل، وعندما يتحول أحد المستفيدين إلى شخص قادر على العطاء والمشاركة في خدمة الآخرين، فإنَّ الوقف الخيري يكون قد أسْهَم في إنتاج قِيمة اجتماعيَّة تتجاوز المنفعة المباشرة إلى تحقيق الترابط والتكافل الاجتماعي.

إنَّ الاعتراف بأهميَّة رأس المال الاجتماعي يفرض على المؤسَّسات الوقفيَّة توسيع مفهوم النجاح، بحيث لا يقتصر على المحافظة على الأُصول وتنمية العوائد، بل يشمل قياس الأثر الاجتماعي وتعزيز المشاركة المُجتمعيَّة. ويمكن تحقيق ذلك من خلال بناء شراكات مع المؤسَّسات التعليميَّة والصحيَّة والاجتماعيَّة، وإشراك المستفيدين في تحديد أولويَّات البرامج، وتوثيق قصص النجاح، وإعداد تقارير توضح التغيُّرات التي أحدثتها المشروعات الوقفيَّة.

كما أنَّ الوقف قادر على الإسهام في تقوية الرَّوابط بين الأجيال؛ فحين تتبنَّى الأُسر الوقف بوصفه قِيمة تربويَّة ومسؤوليَّة مُجتمعيَّة، فإنَّها لا تنقل المال وحده، بل تنقل معه ثقافة البذل، واحترام احتياجات الآخرين، والإيمان بأهميَّة العمل من أجْلِ الصالح العام.

ولا يعني ذلك أن رأس المال الاجتماعي يمكن أن يغنيَ عن رأس المال المالي، أو أنَّ الأثَر المعنوي يغني عن الإدارة الاقتصاديَّة الرشيدة؛ فاستدامة الوقف تحتاج إلى موارد مدروسة وحوكمة فعَّالة، مثلما تحتاج إلى رسالة إنسانيَّة واضحة، غير أن الجمع بين الكفاءة الماليَّة والأثَر الاجتماعي هو ما يمنح الوقف قدرته الحقيقيَّة على الاستمرار.

فلا تكمن ثروة الوقف الخيري فيما يملكه من أُصول فحسب، بل فيما يزرعه من ثقة، وما يبنيه من علاقات، وما يتيحه من فرص، وما يتركه من أثَر في حياة الأفراد والمُجتمعات. إنَّها ثروة قد لا تظهر في الميزانيَّات التقليديَّة، لكنَّها تظهر في مُجتمع أكثر تماسكًا، وأفراد أكثر قدرة على العطاء، وعلاقات أكثر ترابطًا بين أفراد المُجتمع.

ولعلَّ التحدِّي الحقيقي أمام مؤسَّسات الوقفيَّة اليوم ليس فقط كيف نحافظ على أُصول الوقف وننمِّيها؟ بل كيف تُستثمر هذه الأموال في تعزيز التَّماسُك الاجتماعي؟ فحين ينجح الوقف الخيري والذرِّي على حدٍّ سواء في بناء الإنسان وتعزيز روابط المُجتمع، فإنَّه لا يوزع ثروة فحسب، بل يصنع ثروة جديدة لا تنفد بانتهاء الإنفاق، وإنَّما تتَّسع كلَّما امتدَّ أثَرها من إنسان إلى آخر... ودُمْتُم أبناء قومي سالِمِين.

نجوى عبداللطيف جناحي

كاتبة وباحثة اجتماعية بحرينية

متخصصة في التطوع والوقف الخيري

[email protected]

Najwa.janahi@