لستُ شخصيَّة اقتصاديَّة، ولا أعرفُ عن الاقتصاد كتخصُّص سوى معلومات عامَّة بسيطة، ولكن ما أعلمه يقينًا أنَّ اقتصاد الدول لا يتجزأ أو يجزأ عن بقيَّة القِطاعات الوطنيَّة، فهو يرتبط ارتباطًا كاملًا بالقانون والسياسة والأمن، وغير ذلك من مجالات التداخل بالتنمية الوطنيَّة، ومعيشة المواطنين والشؤون الدوليَّة. وكما يتأثَّر اقتصاد الدول بالأوضاع الدوليَّة والتحوُّلات العابرة للحدود الوطنيَّة مثل الصراعات والحروب، فهو يتأثر كذلك بالأوضاع الداخليَّة ومن ضمنها السياسات والقرارات الصادرة من الجهات والمسؤولين.
فالاقتصاد العُماني منظومة وليس قِطاعًا منفصلًا ومستقلًّا عن بقيَّة شؤون الحياة الوطنيَّة، وعندما نقول ذلك؛ فيقينًا أنَّ هذه المنظومة تتأثر بغيرها من المجالات والسياسات الأخرى وتؤثِّر فيها قطعًا، فما تُحدثه السياسة يتأثر به الاقتصاد، والعكس صحيح، كما يتأثر بالصراعات والحروب، بالإضافة إلى تأثر المنظومة الاقتصاديَّة الوطنيَّة بالقوانين والقرارات الإداريَّة ذات الصِّلة والتداخل، وحتى بسياسات الدول الأخرى.
وما يؤسف له أنَّ أثَر القانون، وأنا هنا أتحدَّث عن القوانين والقرارات غير المدروسة، أو التي لم يتم دراستها بشكل منهجي والتي لم تأخذ في الاعتبار ما تعلَّمناه في القانون، وعلى رأسها تحقيق أهداف المشرِّع، بالإضافة إلى أن يكونَ النَّص جامعًا مانعًا غير قابل لكثرة التأويل والتفسير. فهي ـ أي تلك القرارات ـ بالإضافة إلى القرار الارتجالي أو الذي لم يتمَّ تقديره من قِبل مَن أقرَّه بشكل علمي أشْبَه ـ حفظكم الله ـ بالسرطان في الجسم، فهي وباء صامت خامل، يستشري أثَره السلبي في الجسم في أوقات كثيرة، فلا يشعر به الوطن حتى يبدأَ في الانتشار في الجسد، فيدمِّره.
قد يقول قائل: وهل يمكن أن تستحدثَ أو تصدرَ قرارات غير مدروسة، أو قوانين لا تأخذ في الاعتبار المصالح الوطنيَّة؟ ونردُّ على ذلك القائل: نعم، وبكل تأكيد، ونحن هنا لا ندخل في النيَّات (حاشا لله)، فلدينا أنَّ الجميع يعمل من أجلِ عزَّة ورفعة هذا الوطن العزيز، والولاء لسُلطانه ـ أعزَّه الله ـ. ولكن القوانين ـ كما سبق القول ـ قد تصدر لأسبابٍ عديدة ومختلفة، وقد تتعارض بعد ذلك مع بعض المصالح الوطنيَّة أو الدوليَّة، أو قد تصدر لمعالجة وضع إداري أو سياسي أو غير ذلك، ولكن تبيَّن بعد ذلك أنَّ لها أثرًا سلبيًّا على جوانب وطنيَّة أخرى مثل معيشة المواطنين، أو التأثير السلبي على الاستثمار، أو غير ذلك من شؤون الاقتصاد.
ولهذا يفترض أن تكونَ هناك دائمًا رقابة عليها من السُّلطة التنفيذيَّة أو التشريعيَّة أو حتى رقابة أقرب إلى السياسيَّة من وليِّ الأمْر أو من الإعلام والرأي العام، وهذا الأمر دائمًا ما كان من الجوانب الإيجابيَّة في أيِّ وطن؛ بهدف إعادة النظر في بعض القوانين والقرارات أو السياسات الاقتصاديَّة ودراستها من جديد أو إلغائها.
ولعلَّ أسهل الوسائل والطُّرق لمعرفة نتائج وآثار القوانين والقرارات الإداريَّة وأثَرها وتأثيرها في المنظومة الاقتصاديَّة ككل هو عبر متابعة النتائج والآثار على جوانب جذب الاستثمار وتوسُّع الأعمال والتجارة البينيَّة، وقضيَّة الباحثين عن عمل، وتأثير ذلك أيضًا على معيشة المواطنين وغير ذلك، كما سبق وأشرنا.
وممَّا يجب أن يؤخذَ في الحسبان في هذا السياق، وهو ـ بلا شك ـ غير بدعة في الفكر والرأي، بل جانب بديهي، أنَّ ما تصدره وزارة من الوزارات في سلطنة عُمان ـ خصوصًا الخدميَّة منها ـ من قرارات وزاريَّة أو إداريَّة أو لوائح تنظيميَّة أو تنفيذيَّة أو حتى توَجُّهات تقديريَّة لبعض المديرين والمديرين العامِّين تتأثر به الجوانب سالفة الذكر من جهة، ويؤثِّر كذلك في سَير بقيَّة الوزارات في السلطنة، وأي خلَل أو تقصير أو تأثير سلبي ناتج عن توَجُّه أو قرار لوزارة ما، تتأثر به الوزارات الأخرى، فالحكومة منظومة متداخل واعتماديَّة.
على ضوء ما سبق، أرجو أن يتمَّ تشكيل لجنة خاصَّة ومتخصِّصة من ذوي الاختصاص في الاقتصاد والقانون، وغير ذلك من التخصُّصات المتداخلة مع القضايا الاقتصاديَّة في مكتب نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصاديَّة، يكون دَوْرها الرقابة السياسيَّة، بالإضافة إلى الرقابة الإداريَّة على كل القوانين والقرارات والتصرفات الإداريَّة التي تؤثِّر على الاقتصاد الوطني عمومًا، وتلك المسائل المرتبطة بمعيشة المواطن والاستثمار، وثقة المواطنين باقتصاد وطنهم ومؤسَّسات الدَّولة التي منحها القانون حق إصدار قوانين وقرارات إداريَّة، بالإضافة إلى التعاميم الإداريَّة المنظِّمة لبعض الأعمال والتي تصدر عن المديرين العامِّين والمديرين في سياق الصلاحيَّات التقديريَّة.
حيث إنَّ عموم القوانين والقرارات وحتى تلك التعاميم والتوَجُّهات التقديريَّة الصادرة عن المسؤولين والتي تؤثِّر على الاقتصاد الوطني والاستراتيجيَّات العامَّة للتنمية الاقتصاديَّة، بالإضافة إلى التأثير في أداء برامج التنويع الاقتصادي والخطط والبرامج الاقتصاديَّة الوطنيَّة والتي تصدر عن مختلف الجهات في الدَّولة، تدخل بشكلٍ مباشر وصريح في الرقابة السياسيَّة والإداريَّة لنائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصاديَّة استنادًا إلى المرسوم السُّلطاني رقم (٧/٢٠٢٦) بإنشاء مكتب نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصاديَّة وتحديد اختصاصاته واعتماد هيكله التنظيمي.
محمد بن سعيد الفطيسي
باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية
رئيس تحرير مجلة السياسي – المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
MSHD999 @